خبير عسكري وأكاديمي ومناضل فتحاوي
تخضع حركة فتح، منذ انطلاقتها الأولى، لسيرورة تاريخية معقدة، تنقلت فيها بين لحظة التأسيس بوصفها فعلاً ثورياً تحررياً، وبين لحظة راهنة تبدو أقرب إلى نهايات مفتوحة على احتمالات متعددة. وبين هاتين اللحظتين، يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الزمن المغترب” داخل بنية الحركة؛ زمن فقد انسجامه مع روحه الأولى، وانفصل عن أدواته الكفاحية، وارتبك في تعريف ذاته.
لقد كانت فتح، في لحظة التأسيس، تعبيراً عن وعي ثوري جمعي، أعاد تعريف الفلسطيني بوصفه فاعلاً في التاريخ، لا موضوعاً له. حملت السلاح، لا كخيار تكتيكي، بل كضرورة وجودية، وأعادت الاعتبار لفكرة التحرير الشامل، وربطت بين الشهادة والهوية، وبين الفعل النضالي والكرامة الوطنية. لكن هذا المسار لم يستمر بذات الزخم، بل دخل في تحولات عميقة، نقلت الحركة من فضاء الثورة إلى فضاء السلطة، ومن منطق التحرير إلى منطق التسوية.
في وضعها الراهن، تعيش حركة فتح حالة من الارتباك البنيوي، ليس فقط على مستوى الممارسة، بل على مستوى الفكرة ذاتها. إذ يهيمن على بنيتها التنظيمية والعسكرية والفكرية منطق جديد، لا يبدو أنه امتداد طبيعي لتاريخها، بل أقرب إلى استجابة لضغوط خارجية وإكراهات إقليمية ودولية. منطق يقوم على “اللاعنف” بوصفه خياراً استراتيجياً، وعلى السلام بوصفه أفقاً نهائياً، وعلى الخطاب السياسي بديلاً عن الفعل الثوري.
هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في الوسائل، بل شكل قطيعة إبستيمولوجية كاملة مع المفاهيم المؤسسة للحركة. لقد تم تهميش الكفاح المسلح، لا بوصفه أداة، بل بوصفه فكرة، وتم استبداله بخطاب تفاوضي طويل، لم ينجح في تحقيق الأهداف الوطنية، ولم يحافظ في الوقت ذاته على رمزية الحركة كحاضنة للنضال والشهادة.
إن فتح، التي كانت تُعرف بـ”أم الشهداء”، لم تعد كذلك في الوعي الجمعي الفلسطيني. لم تعد مسيرة الشهادة جزءاً من خطابها المركزي، ولم يعد شعار “على القدس رايحين شهداء بالملايين” يعبر عن استراتيجيتها، بل تحول إلى ذاكرة خطابية، تستحضر في المناسبات، دون أن تجد ترجمتها في الواقع.
وهنا يظهر مفهوم “الزمن المغترب” بوضوح؛ إذ تعيش الحركة في زمنين متوازيين: زمن ماضٍ ثوري، وزمن حاضر تفاوضي، دون أن تنجح في بناء جسر حقيقي بينهما. هذا الانفصال الزمني أنتج اغتراباً في الهوية، وارتباكاً في الأهداف، وتراجعاً في الفعل.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم: من أين استمدت فتح هذا المنطق الجديد؟ وكيف انتقلت من حركة تحرر وطني إلى بنية سياسية تُراهن على السلام في ظل اختلال موازين القوى؟ وهل يمكن لهذا المسار أن يحقق ما عجز عنه الكفاح المسلح، أم أنه يعمق حالة الانتظار ويؤجل الحسم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب مراجعة نقدية شاملة، تعيد قراءة التجربة الفتحاوية، لا بوصفها تاريخاً منجزاً، بل بوصفها مشروعاً مفتوحاً. مراجعة تعيد الاعتبار لفكرة التحرير، وتبحث في إمكانيات تجديد أدوات النضال، دون الوقوع في أسر الماضي أو الارتهان للحاضر.
ختاماً، إن حركة فتح ليست مجرد تنظيم سياسي، بل هي حالة تاريخية، ومشروع وطني، وهوية نضالية. وإذا كانت تعيش اليوم زمنها المغترب، فإن ذلك لا يعني نهاية هذا المشروع، بل قد يكون بداية لوعي جديد، يعيد ربط الزمن بالفعل، والفكرة بالممارسة، ويستعيد روح الثورة في سياق معاصر، قادر على الجمع بين الثوابت والتحولات.







