هل يعيد المؤتمر الثامن لحركة فتح محمد دحلان؟

بقلم د. صالح الشقباوي

تدخل حركة فتح لحظة مفصلية من تاريخها السياسي والتنظيمي مع اقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن، في ظل تحولات داخلية وإقليمية عميقة، وتحديات وجودية تمس بنيتها الفكرية والتنظيمية. وفي قلب هذه اللحظة يبرز سؤال مركزي: هل يمكن أن يشكل المؤتمر بوابة لعودة محمد دحلان إلى صفوف الحركة، أم أن الانقسام أصبح بنيوياً يتجاوز منطق التسويات التنظيمية؟
لقد شكّل فصل محمد دحلان من اللجنة المركزية عام 2011 نقطة انعطاف حادة في مسار الحركة. لم يكن القرار مجرد إجراء تنظيمي، بل كان تعبيراً عن صراع عميق داخل بنية فتح بين تيارات متباينة في الرؤية والمصالح. وقد تداخلت في هذا القرار عوامل متعددة؛ منها ما هو سياسي مرتبط بالخلاف مع محمود عباس حول إدارة السلطة والعلاقة مع الإقليم، ومنها ما هو تنظيمي يتصل باتهامات تتعلق بتجاوز الأطر الحركية، فضلاً عن أبعاد شخصية عمّقت من فجوة الثقة بين الطرفين.
العلاقة بين محمد دحلان والرئيس محمود عباس لا تزال حتى اللحظة علاقة مأزومة، محكومة بتاريخ من القطيعة والتجاذب. فهي ليست مجرد خلاف سياسي قابل للاحتواء، بل تعكس صراعاً على الشرعية والتمثيل داخل الفضاء الفتحاوي. أبو مازن، بوصفه رأس الشرعية التنظيمية والرسمية، ينظر إلى دحلان كحالة تمرد على النظام الداخلي للحركة، بينما يرى دحلان نفسه ممثلاً لتيار إصلاحي يسعى إلى إعادة تعريف المشروع الفتحاوي في ظل المتغيرات الراهنة.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ”التيار الإصلاحي الديمقراطي” الذي شكّله دحلان بعد عام 2011، كإطار موازٍ داخل المشهد الفتحاوي. وهنا يطرح سؤال مكمّل: هل يمكن لدحلان أن يحلّ هذا الفصيل تمهيداً للعودة؟
نظرياً، يمكن ذلك، لكن عملياً يبدو الأمر أكثر تعقيداً. فهذا التيار لم يعد مجرد امتداد شخصي لدحلان، بل أصبح بنية تنظيمية لها قواعدها وامتداداتها، خاصة في غزة وبعض ساحات الشتات. كما أن وجوده يعكس حالة انقسام عميق داخل حركة فتح، وليس مجرد خلاف عابر يمكن تجاوزه بقرار إداري.
إضافة إلى ذلك، يشكّل هذا الفصيل ورقة قوة سياسية بيد دحلان، يستخدمها في موازين القوى داخل الحركة وخارجها. وبالتالي فإن حلّه دون مقابل سياسي واضح—كإعادة دمجه في الأطر القيادية أو ضمان شراكة حقيقية—يبدو خياراً غير واقعي في الحسابات السياسية.
أما فيما يتعلق بقرار تعيين حسين الشيخ نائباً للرئيس في مسؤوليات السلطة والمنظمة، فإن هذا التطور يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة تشكيل هرم القيادة داخل النظام السياسي الفلسطيني. ومن غير المرجح أن يقبل محمد دحلان بهذا القرار بوصفه مساراً طبيعياً، إذ قد يراه تكريساً لنهج الإقصاء وإعادة إنتاج للنخبة ذاتها، بعيداً عن أي انفتاح على التيارات الأخرى داخل فتح.
إن المؤتمر الثامن يقف أمام اختبار تاريخي: إما أن يكون مؤتمراً لإعادة إنتاج الأزمة، أو محطة لإعادة بناء الحركة على أسس الشراكة والتعددية. وبين هذين الخيارين، يبقى سؤال دحلان—وفصيله—معلقاً، ليس فقط كقضية فردية، بل كعنوان لأزمة أعمق تتعلق بمستقبل فتح وهويتها السياسية.
وفي النهاية، فإن الإجابة على سؤال عودة دحلان، أو حلّ فصيله، لا تكمن في النصوص التنظيمية، بل في قدرة حركة فتح على إعادة تعريف ذاتها: هل هي حركة تحرر وطني جامعة، أم إطار سياسي مغلق؟ هنا فقط تتحدد ملامح المرحلة القادمة.