تُشكّل حرية الصحافة إحدى الدعائم الأساسية لأي نظام ديمقراطي حديث، إذ تضطلع وسائل الإعلام بوظيفة جوهرية في نقل الوقائع، وفضح الانتهاكات، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. غير أنّ ممارسة هذه الرسالة النبيلة لا تخلو من مخاطر، حيث يجد الإعلاميون والصحافيون أنفسهم في كثير من الأحيان عرضة لتهديدات جسيمة، لا سيما في بيئات النزاع أو في الأنظمة التي تضيق فيها مساحة الحريات. ومن هذا المنطلق، برزت ضرورة إرساء إطار قانوني دولي يكفل حمايتهم ويؤمّن لهم بيئة آمنة لممارسة مهنتهم دون ترهيب أو تضييق.
وفي هذا السياق، أسست الأمم المتحدة عبر منظومتها القانونية لمجموعة من القواعد التي تُعزّز حرية التعبير وتوفّر حماية للصحافيين، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي كرس في مادته التاسعة عشرة حق كل فرد في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية تداول المعلومات والأفكار ونقلها بمختلف الوسائل. وقد جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليؤكد هذا التوجه، من خلال إلزام الدول بضمان ممارسة هذا الحق بعيدًا عن القيود التعسفية أو غير المبررة.
أما في حالات النزاعات المسلحة، فتغدو حماية الصحافيين أكثر إلحاحًا، حيث أقرّت اتفاقيات جنيف صفة الحماية للصحافيين باعتبارهم مدنيين، طالما لم ينخرطوا بشكل مباشر في الأعمال القتالية، وهو ما كرّسه أيضًا البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي أوجب على أطراف النزاع احترامهم وتأمين سلامتهم. ويُعدّ أي اعتداء متعمد عليهم خرقًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرتقي إلى مصاف جرائم الحرب.
ومن جهة أخرى، لعبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دورًا محوريًا في دعم سلامة الصحافيين، من خلال مبادرات دولية تستهدف الحد من الإفلات من العقاب، ودفع الدول إلى تبنّي أطر تشريعية وطنية أكثر فعالية في حمايتهم. كما تواصل مراسلون بلا حدود جهودها في توثيق الانتهاكات ومراقبة واقع حرية الصحافة عالميًا، بما يسلّط الضوء على التحديات القائمة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحالة في لبنان كنموذج مقلق لتفاقم المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون، في ظل تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. فقد شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الانتهاكات بحق الإعلاميين، تمثّل في الاعتداءات الجسدية، والملاحقات القضائية ذات الطابع التعسفي، فضلًا عن الضغوط السياسية التي تقوّض استقلالية العمل الصحافي. كما ساهمت حالة الإفلات من العقاب، وضعف فعالية الأجهزة القضائية، في تكريس بيئة غير آمنة لممارسة العمل الإعلامي، بما يتعارض مع التزامات الدولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا سيما ما يتعلق بضمان حرية التعبير وحماية الأفراد من أي اعتداء.
ولا يقتصر الخطر على الانتهاكات المباشرة، بل يمتد إلى غياب إطار تشريعي عصري يواكب التحولات الرقمية ويكفل حماية الصحافيين، سواء في الفضاء التقليدي أو الإلكتروني. فالنصوص الحالية، في كثير من الأحيان، تُستخدم لتقييد حرية التعبير بدل حمايتها، من خلال توسيع نطاق التجريم أو فرض عقوبات غير متناسبة، الأمر الذي يُفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها.
ومن ثمّ، فإن حماية الصحافيين في لبنان تستدعي اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، تبدأ بإصلاح الإطار التشريعي بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية لضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات، وإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب. كما يتعيّن على الدولة تفعيل آليات الحماية الوقائية، بما في ذلك تدريب القوى الأمنية على احترام حرية العمل الصحافي، وإنشاء آليات وطنية لرصد الانتهاكات والاستجابة السريعة لها، بالتعاون مع الهيئات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
ولا يقلّ أهمية عن ذلك، دعم دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية، مثل مراسلون بلا حدود، في توثيق الانتهاكات والضغط من أجل تحسين واقع الحريات الإعلامية. فتعزيز حماية الصحافيين في لبنان لا يُعدّ فقط التزامًا قانونيًا دوليًا، بل يشكّل أيضًا مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وترسيخ دولة القانون، وضمان حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
ورغم هذا البناء القانوني الدولي المتين، تظل الإشكالية الأبرز في مدى التزام الدول بتطبيق هذه القواعد عمليًا. فاستمرار استهداف الصحافيين، وتفشي ظاهرة الإفلات من العقاب، يعكسان فجوة مقلقة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي. الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز آليات المساءلة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية عند ارتكاب الانتهاكات الجسيمة.
وفي المحصلة، لا تقتصر حماية الإعلاميين والصحافيين على كونها التزامًا قانونيًا فحسب، بل تمتد لتشكل ركيزة أخلاقية وإنسانية لضمان صون الحقيقة في مواجهة محاولات التضليل والقمع. فالمعيار الحقيقي لحرية الصحافة لا يكمن في النصوص المعلنة، بل في قدرة الصحافيين على ممارسة مهنتهم في بيئة آمنة تكفل لهم الكرامة والاستقلالية، وهو ما يعكس في جوهره مدى احترام الدول لسيادة القانون وحقوق الإنسان.
ومن جهة أخرى المطلوب من الصحافيين والمحررين والإعلاميين في لبنان خاصة في هذه الظروف القاسية التي يمر بها أن يحرصوا على وحدة الوطن وتحصينها في مواجهة الإرهاب، والعمل على تعميم مساحات الحوار المجتمعي، وتعزيز المواطنة بوجه التطرف، وتشجيع المبادرات المتعلقة بالحوار والعيش الواحد التي تحافظ على الصيغة اللبنانية وميثاقها، والامتناع عن إشهار التصاريح والمواقف المتطرفة التي تؤدي الى خلافات وفوضى من شأنها أن تهدم الأمن الوطني.
* رئيس المنظمة العربية لحماية ومساندة الصحفيين وسجناء الرأي
* الامين العام السابق لاتحاد المحامين العرب








