تحليل: ايران لن تفرط بالهدنة من اجل عيون لبنان

معضلة لبنان بالنسبة لإيران: هل تخلّت طهران عن حزب الله؟ يقول حميد رضا عزيزي* وهو المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وهو أيضاً باحث مشارك في معهد كليندال الهولندي للعلاقات الدولية، ان ايران لن تستغني عن الهدنة مع الولايات المتحدة الاميركية من اجل لبنان

  • وقال ان  الضربات الإسرائيلية المكثفة على لبنان – التي جاءت بعد أقل من يوم على إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران – أدخلت حالة فورية من عدم اليقين بشأن المفاوضات المقررة في إسلام آباد. ومن منظور طهران، فإن أي وقف لإطلاق النار لا يشمل لبنان يُعدّ غير مكتمل وغير مقبول أساسًا.
  •  شدد المسؤولون الإيرانيون باستمرار على أن وقف إطلاق النار، استنادًا إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها عبر الوساطة الباكستانية، كان من المفترض أن يكون ذا نطاق إقليمي. لذلك، لا يُنظر إلى استبعاد لبنان على أنه مجرد سهو تقني، بل كتحول سياسي.
  •  ووفقًا لقراءة طهران، فإن هذا التحول يعكس قرارًا متعمّدًا من جانب دونالد ترامب بالاصطفاف بشكل أوثق مع الأولويات الإسرائيلية بعد مشاوراته مع بنيامين نتنياهو.
  •  وقد عزز ذلك بالفعل مخاوف قديمة لدى إيران بشأن عدم موثوقية الالتزامات الأمريكية. فالدخول في مفاوضات في ظل هذه الظروف يُنظر إليه على أنه مخاطرة استراتيجية وتكلفة سياسية.
  •  وفي الوقت نفسه، رسمت إيران خطًا أحمر واضحًا، إذ أكدت أنها لن تشارك في أي مفاوضات ما دامت الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله مستمرة. ولا يُعدّ خفض وتيرة الهجمات كافيًا، إذ تطالب طهران بوقف كامل.
  •  ويعكس هذا الموقف ضغوطًا هيكلية أعمق – إقليمية وداخلية – تحدّ من هامش المناورة الإيراني.
  •  وفي إيران، بات المحللون ينظرون إلى الوضع بشكل متزايد على أنه استراتيجية محسوبة من قبل واشنطن وتل أبيب لدفع إيران إلى سيناريو خاسر في كل الأحوال.
  •  فإذا صعّدت إيران عسكريًا ردًا على التحركات الإسرائيلية، فإنها تخاطر بتحمّل اللوم، وخصوصًا داخليًا، على خرق وقف إطلاق النار. ويكتسب هذا الأمر حساسية خاصة في ظل الإرهاق الشعبي الواسع من الحرب.
  •  وقد رحّب جزء كبير من السكان الإيرانيين، حتى وإن لم يكونوا بالضرورة مؤيدين للنظام، بوقف إطلاق النار باعتباره طريقًا نحو الاستقرار. ولذلك، فإن أي تصعيد جديد قد يثير رد فعل شعبي سلبي.
  •  ويتفاقم هذا بسبب تصوّر قائم لدى كثير من الإيرانيين بأن الحكومة تستثمر بكثافة في الصراعات الإقليمية، وخصوصًا في لبنان وغزة، على حساب الأولويات الداخلية.
  •  وفي مثل هذا السياق، يمكن تصوير أي رد عسكري إيراني داخليًا ليس كدفاع وطني، بل كحرب تُخاض نيابة عن أطراف خارجية، وهو تفسير يحمل مخاطر سياسية كبيرة.
  •  وفي المقابل، فإن ضبط النفس ليس بلا ثمن. فعدم الرد قد يعرّض الجمهورية الإسلامية لخطر إغضاب قاعدتها الأيديولوجية الأساسية، التي تبدي تعاطفًا كبيرًا مع حزب الله وتتوقع خطوات ملموسة.
  •  وهذه الفئات – رغم أنها أصغر عددًا – منظمة للغاية ولها وزن سياسي كبير، وقد بدأت بالفعل تظهر ملامح إحباطها من ما تعتبره تقاعسًا.
  •  ونتيجة لذلك، تجد طهران نفسها بين ضغطين داخليين متنافسين: جمهور مرهق من الحرب من جهة، وقاعدة أيديولوجية معبّأة من جهة أخرى.
  •  ويعكس النهج الإيراني الحالي محاولةً لتحقيق توازن بين هذين الضغطين. فبدلًا من التصعيد المباشر، تجمع طهران بين المناورة الدبلوماسية وأشكال الضغط غير المباشر.
  •  وعلى الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالات مع أطراف إقليمية وأوروبية، مؤكدًا ضرورة وقف إطلاق نار شامل على مستوى المنطقة.
  •  وفي الوقت نفسه، تجنبت إيران التصعيد العسكري المباشر ضد إسرائيل، واتجهت بدلًا من ذلك إلى أهم نقاط نفوذها، أي مضيق هرمز، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى كبح إسرائيل.
  •  وعلى الرغم من التوقعات بعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها بعد وقف إطلاق النار، لم تعبر سوى سفن قليلة منذ الأمس، ما يشير إلى جهد متعمّد للإبقاء على الضغط.
  •  ومن وجهة نظر بعض المحللين الإيرانيين، فإن هذا النوع من الضغط الاقتصادي والبحري أكثر قيمة استراتيجية من الرد الصاروخي. وهناك رأي متزايد بأن الضربات الصاروخية المحدودة ضد إسرائيل لن تحقق الكثير سوى إظهار التضامن، بل قد تصب في مصلحة إسرائيل.
  •  وتتمثل الحجة هنا في أن إسرائيل قد تفضّل بالفعل استمرار التصعيد، وأن قدرتها المثبتة على امتصاص الضربات الإيرانية كشفت حدود الردع الصاروخي الإيراني بعيد المدى. وقد غيّر هذا النقاش داخل إيران؛ فلم يعد السؤال ما إذا كان يجب الرد، بل كيف.
  •  ويرى أحد التيارات أن إيران يمكنها استئناف الضربات المباشرة ضد إسرائيل مع الإبقاء على وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، أي فصل الجبهتين عن بعضهما.
  •  وفي هذا السيناريو، قد تتسامح واشنطن – إذا كانت مهتمة فعلًا بخفض التصعيد – مع مواجهة محدودة بين إيران وإسرائيل، بما يسمح باستمرار المفاوضات بالتوازي. ويرى أنصار هذا الطرح أنه مفيد لأنه يهمّش الولايات المتحدة ويتيح لإيران مواجهة إسرائيل مباشرة.
  •  أما التيار المقابل فهو أكثر تشككًا، إذ يرى أنه حتى من دون مشاركة هجومية أمريكية مباشرة، ستواصل واشنطن تزويد إسرائيل بالدعم اللوجستي والدفاعي والاستخباراتي. ومن هذا المنظور، فإن فكرة الانفصال الأمريكي تبدو إلى حد كبير وهمية.
  •  علاوة على ذلك، فإن حصر الصراع بين إيران وإسرائيل فقط سيقلّص مرونة إيران الاستراتيجية. فقد جاء أكثر أدوات الضغط الإيرانية فعالية من قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية في أنحاء المنطقة، وليس إسرائيل وحدها.
  •  وهذا يخلق معضلة استراتيجية حادة: إما التصعيد على نطاق واسع، بما يشمل المصالح الأمريكية، أو الحفاظ على وقف إطلاق النار ومتابعة المسار الدبلوماسي.
  •  وإلى جانب هذه النقاشات التكتيكية المباشرة، يركز المحللون الإيرانيون بشكل متزايد على مصدرين أوسع للقلق الاستراتيجي.
  •  الأول يتعلق بالسمعة. فالإخفاق في دعم حزب الله يهدد بتقويض مبدأ الدعم المتبادل الذي تقوم عليه الشبكة الإقليمية لإيران.
  •  فإذا لم تتحرك طهران، فقد تبدأ الأطراف الحليفة في العراق واليمن وغيرها بالتساؤل عما إذا كانت كلفة دعم إيران تُقابل بالمثل. ومن شأن مثل هذا التحول أن يضعف وضعية الردع الإيرانية ويقلّص نفوذها عبر ما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
  •  أما القلق الثاني فهو بنيوي، ويتعلق بمستقبل ميزان القوى في المنطقة.
  •  ويبدو أن إيران تنظر إلى اللحظة الحالية باعتبارها فرصة نادرة لإعادة تشكيل هذا الميزان، خصوصًا من خلال نفوذها في الخليج العربي.
  •  ومن هذا المنظور، لا تُعدّ العمليات الإسرائيلية المستمرة في لبنان مجرد تحركات تكتيكية، بل خطوات استراتيجية تهدف إلى تفكيك الشبكة الإقليمية لإيران.
  •  فمن خلال عزل والضغط على عقد فردية مثل حزب الله، قد تكون إسرائيل تسعى إلى منع ردود منسقة متعددة الجبهات. ومع مرور الوقت، قد يخلق ذلك واقعًا استراتيجيًا جديدًا تُضعف فيه حلفاء إيران تباعًا، ما يجعل طهران نفسها أكثر عرضة.
  •  أما هدف إيران، في المقابل، فهو الحفاظ على نموذج الردع الجماعي، بمعنى أن أي هجوم على طرف واحد يجب أن يؤدي إلى رد إقليمي أوسع.
  •  وهذا المنطق يفسر إصرار طهران على إدراج لبنان ضمن وقف إطلاق النار. فبالنسبة لإيران، ليست هذه مسألة ثانوية، بل عنصر أساسي في الحفاظ على بنيتها الإقليمية.
  •  وفي النهاية، يجري تفسير الأزمة الحالية في طهران على أنها تحدٍ تكتيكي ونقطة تحول استراتيجية في آن واحد.
  •  والطريقة التي ستتعامل بها إيران مع هذه اللحظة – عبر الموازنة بين الضغوط الداخلية، والتزامات التحالف، وديناميكيات القوى الكبرى – لن تحدد فقط مصير المفاوضات، بل على الأرجح ملامح النظام الإقليمي المستقبلي.
  • هذا المنطق يفسر إصرار طهران على إدراج لبنان ضمن وقف إطلاق النار. فبالنسبة لإيران، ليست هذه مسألة ثانوية، بل عنصر أساسي في الحفاظ على بنيتها الإقليمية.
  •  وفي النهاية، يجري تفسير الأزمة الحالية في طهران على أنها تحدٍ تكتيكي ونقطة تحول استراتيجية في آن واحد.
  •  والطريقة التي ستتعامل بها إيران مع هذه اللحظة – عبر الموازنة بين الضغوط الداخلية، والتزامات التحالف، وديناميكيات القوى الكبرى – لن تحدد فقط مصير المفاوضات، بل على الأرجح ملامح النظام الإقليمي المستقبلي.

حميد رضا عزيزي هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وزميل زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وهو أيضاً باحث مشارك في معهد كليندال الهولندي للعلاقات الدولية.

 

وكان عزيزي قبل ذلك زميلاً مشاركاً في مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية في العام 2022. وقد حاضر في عددٍ من الجامعات الإيرانية، مثل جامعة طهران (2016-2018) وجامعة شهيد بهشتي (2016-2020). وتشتمل مواضيع بحثه على القضايا الأمنية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة الأوروبية الآسيوية، وعلى سياسة إيران الخارجية والأمنية، فضلاً عن العلاقات الإيرانية الروسية.

 

وقد نشر عزيزي عدداً من الكتب والمقالات الأكاديمية وأوراق بشأن السياسات باللغتَين الإنكليزية والفارسية. وقد أصدر مؤخّراً مقالات محكّمة نُشرت في مجلّة ميديترينيان بوليتيكس، ومجلّة البلقان ودراسات الشرق الأدنى، ومجلّة سمول وورز آند إنسيرجنسيز. وتظهر تحليلاته في مجموعة من وسائل الإعلام ومراكز البحوث، بما فيها معهد تشاتام هاوس، ومعهد الشرق الأوسط، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، والمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، بالإضافة إلى مجلّة فورين بوليسي، ومجلّة ذا ناشيونال إنترست، وموقع المونيتور وغيرها.

*