فقط في فلسطين… وطنٌ يتقن صناعة المفارقة

بقلم :شادي عياد

في بلاد العالم حيث تُبنى الدول على منطق الأشياء: شبابٌ يعمل ومؤسساتٌ تُنتج وقانونٌ يحمي وعدالةٌ تنصف.
أما في فلسطين، فنحن نعيش في جمهورية المفارقات الكبرى حيث يتحوّل اللامعقول إلى روتين يومي ويصبح العبث جزءًا من الهيكل الإداري والسياسي، حتى يكاد المواطن يظن أن السخرية بندٌ ثابت في النظام العام.

فقط في فلسطين العجائز ما زالوا مشغولين بحراسة الكراسي التي استولوا عليها منذ عقود ….بينما الشباب يحرسون أبواب البطالة.
الأولون يخشون مغادرة المشهد والآخرون عاجزون عن دخوله أصلًا.
جيلٌ كامل يحمل شهاداته كما يحمل المنفي مفتاح منزله القديم …ذكرى جميلة بلا باب.

فقط في فلسطين عيد القيامة الذي يملأ العالم بهجةً وسلامًا، ولكنه يتحوّل عند أبواب القدس إلى اختبار جديد للقهر حيث يلاحق الاحتلال المؤمنين حتى في فرحهم وصلواتهم.
وفي كل أصقاع الأرض يأتي شهر رمضان ليفتح أبواب دور العبادة وأبواب الرحمة والسكينة إلا هنا حيث يُغلق الأقصى ويُحاصر مسرى الرسول ويصبح الوصول إلى الصلاة نفسها رحلة إذلال.
حتى الإيمان هنا يحتاج إلى عبور حاجز.

فقط في فلسطين شعبٌ كامل يفتش عن قوت يومه بينما قلة قليلة حجزت لنفسها حصة الشعب في كل شيء:
في المال وفي العقود وفي الامتيازات وفي الوظائف وفي الكلام وفي حق تمثيل الوجع نفسه.

فقط في فلسطين، المتعلم يعيش منبوذًا وصاحب الكفاءة مهمّشًا والجاهل يجلس على رأس القرار والمتسلق يلمع وقليل الأدب يحصد النصيب الأكبر من الحظوة.
كأن المعرفة صارت تهمة والجهل شهادة اعتماد.

فقط في فلسطين، من يحمل همّ الناس لا يقبض راتبه ومن يحمل لقبًا فقط يقبض أكثر من راتب.
الذي يعمل ينام قلقًا على أسرته والذي لا يعمل ينام مطمئنًا على امتيازاته.

وفقط في فلسطين، قد تشاهد شرطيًا يسير لتنفيذ أمر حبس بحق زميله بالوظيفة العمومية فيما يكون صادرًا بحقه هو نفسه أمر حبس أيضًا.
لا أحد هنا خصم أحد ولا أحد جلاد أحد فكلاهما ضحية الأزمة ذاتها وكلاهما يسير داخل طاحونة لا تفرّق بين من يطبّق القرار ومن يقع عليه القرار.
ينهي الأول مهمته ثم يأتي عسكري آخر لينفّذ بحقه هو الأمر نفسه.
هكذا يصبح المشهد أكثر من مفارقة: ضحية تنفّذ القانون على ضحية ثم تتحوّل هي نفسها إلى موضوع تنفيذ.
إنها صورة تختصر حال الوطن كله: الجميع يدور في الدائرة نفسها والجميع يدفع ثمن خللٍ لا يملكه.
ومع ذلك لا بأس… لا تجزعوا فلدينا وزارة عدل.

وفقط في فلسطين، الإعلام ضعيف ومتخشّب ويراوح بين التهريج والرثاء ولكننا بفضل الله نملك وزارة إعلام ومجلسًا أعلى للإعلام.
مؤسسات متخصصة في إدارة الصدى لا في صناعة الأثر.

فقط في فلسطين، لا عمل حقيقي ولا عمال ولكن من فضل الله لدينا وزارة عمل. لا صناعة تُذكر ولكن لدينا وزارة صناعة. لا نملك عمل ولا نقود و لكن لدينا سلطة نقد. لا دستور لدينا ولكن لدينا محكمة دستورية. لا برلمان لدينا ولكن القوانين تتكاثر حتى كأننا أسبق من أقدم الديمقراطيات.

وفقط في فلسطين، عدد السفارات للكائن والأحباب والأصهار بات أكثر من عدد الحواجز التي تحاصر روح كل فلسطيني.
عناوين دبلوماسية تتكاثر وامتيازات تتسع فيما المواطن يضيق عليه الطريق وتضيق عليه الجغرافيا وتضيق عليه حتى المسافة بين بيته وحلمه.

فقط في فلسطين، تدفع رسومًا على السفر رغم أنك أصلًا لا تملك حرية السفر إلا عبر بوابة إجبارية واحدة اسمها معبر الكرامة حيث تُختبر كرامة الإنسان قبل أوراقه.

فقط في فلسطين، المربي بلا حظوة وصاحب الأخلاق بلا سند بينما يرتفع سهم قليل الأدب لأن السوق السياسي والاجتماعي بات يفضّل الضجيج على القيمة.

أما أعظم إنجازاتنا الصامتة فهو الإجماع الكامل على السكوت عن هذا الواقع اللعين.
صمتٌ على الجوع، صمتٌ على الرواتب صمتٌ على تآكل الأمل صمتٌ على أن تتحوّل المؤسسات إلى عناوين أكبر من أفعالها.

يا رب… ماذا نفعل؟
لقد هرم الناس من الانتظار ومن الوعود ومن تكرار الأسماء المقززة والمشهد نفسه كأن الوطن عالق في يومٍ لا ينتهي.

ومع ذلك تبقى فلسطين فلسطين لا لأن العبث قوي بل لأن شعبها أقوى.
تبقى بأولئك البسطاء العظماء الذين يرممون الأقدار كل ساعة كي لا يسقط البيت على رؤوس الجميع.

في فلسطين، لم تعد المأساة في الاحتلال وحده بل في أن الناس باتت تحفظ تفاصيل العبث الداخلي كما تحفظ أسماء شوارعها.
صرنا نعيش التناقض حتى ألفناه ونبتسم للسخرية لأنها أصبحت أقل وجعًا من الحقيقة.

هنا لا أحد بريء من التعب ولا أحد محصّن من القهر ولا أحد بعيد عن دائرة الانتظار الطويل:
شرطيٌ ينفّذ أمرًا وهو يعلم أن الدور سيأتي عليه
موظفٌ يعمل وهو يعلم أن راتبه مؤجل إلى يوم القيامة
شابٌ يتعلّم وهو يعلم أن شهادته قد تنام في الدرج أيضا إلى يوم القيامة
ومواطنٌ يصبر لأنه لم يعد يملك قرار الغضب والإ ستقام عليه القيامة .

أخطر ما في فلسطين اليوم ليس غياب المال ولا غياب المؤسسات رغم كثرتها المضحكة المبكية ولا حتى قسوة الاحتلال وحدها… بل أن يصبح العبث مألوفًا والظلم إداريًا والصمت فضيلة والتكيّف مع الخطأ نوعًا من الحكمة.

وحين تصل الأوطان إلى هذه المرحلة لا تعود المشكلة في الأزمات بل في الاعتياد عليها.

لهذا فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط مع من يقمعنا من الخارج بل مع كل ما يجعلنا نتعايش مع القهر في الداخل كأنه قدر لا يُرد.

فلسطين لا ينقصها شعب ولا ينقصها الوعي ولا ينقصها الصبر.
فلسطين ينقصها فقط أن يتوقف هذا العبث عن التنكر بلباس الواقع.

والجملة التي يجب أن تبقى معلّقة في الذاكرة:
حين يصبح الظلم مشهدًا يوميًا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتوقف الناس عن الدهشة.