في لحظة فلسطينية مشحونة بالتحولات، تقف حركة فتح على عتبة مؤتمرها الثامن، لا بوصفه محطة تنظيمية عابرة، بل باعتباره سؤالاً وجودياً يعيد مساءلة الذات الفتحاوية في معناها، ووظيفتها، وقدرتها على الاستمرار في زمن يتآكل فيه الثابت وتتغير فيه موازين القوة. ففتح، التي أعادت تعريف الفلسطيني من لاجئ ينتظر إلى مناضل يصنع تاريخه، تجد نفسها اليوم أمام اختبار مزدوج: البقاء كحركة تحرر، والتطور كحامل سياسي قادر على إنتاج المعنى في واقع شديد التعقيد.
إن المؤتمر الثامن، في جوهره، هو مؤتمر الوحدة الفتحاوية، حيث تتقدم الحاجة إلى لملمة البيت الداخلي على ما عداها، ليس فقط بوصف الوحدة شرط قوة، بل باعتبارها شرط معنى أيضاً. فالتشظي الداخلي لا يهدد البنية التنظيمية فحسب، بل يضرب في العمق فلسفة فتح القائمة على التعدد داخل إطار وطني جامع. ومن هنا، فإن إعادة بناء الوحدة ليست خياراً تكتيكياً، بل ضرورة وجودية.
وفي قلب هذا المؤتمر، يبرز عنوان الدفاع عن الأسرى، وعلى رأسهم القائد الفتحاوي مروان البرغوثي، كعنوان أخلاقي ونضالي يعيد ربط الحركة بجذرها الكفاحي. فالأسرى ليسوا مجرد ملف تفاوضي، بل هم تجسيد حي لفكرة الحرية التي قامت عليها فتح، وإعادة الاعتبار لهم هو إعادة الاعتبار للمعنى الأول للحركة: الحرية بوصفها فعلاً مستمراً لا ينقطع.
أما على المستوى البنيوي، فإن الحديث عن فصل السلطات داخل فتح، وتحديد مواردها المالية، يمثل انتقالاً من منطق الثورة العفوية إلى منطق المؤسسة المنظمة. فالحركات التي لا تعيد تنظيم ذاتها تتحول إلى عبء على ذاتها، بينما الحركات التي تؤسس لنظام داخلي واضح وقابل للمساءلة تضمن ديمومتها وقدرتها على التكيف. وهنا يطرح المؤتمر سؤال القيادة: هل نحن أمام إعادة إنتاج القيادة، أم أمام لحظة بحث حقيقية عن قائد قادر على تمثيل روح المرحلة؟
وفي سياق لا يقل أهمية، يفرض السؤال نفسه حول موقع غزة والشتات في هذا المؤتمر. فغزة، التي دفعت أثماناً باهظة، لا يمكن أن تبقى على هامش الفعل الفتحاوي، بل يجب أن تكون في قلبه، سواء في إعادة الإعمار أو في إعادة الاعتبار لحقوق أبناء فتح فيها. كما أن الشتات، الذي شكل تاريخياً عمقاً استراتيجياً للحركة، يحتاج إلى إعادة دمجه في القرار، لا بوصفه جمهوراً، بل شريكاً في صياغة المستقبل.
لقد دخلت فتح، منذ رحيل ياسر عرفات، مرحلة من التحولات الإثنية والسياسية والأيديولوجية، حيث تراجعت بعض ملامح الكاريزما الجامعة، وصعدت مكانها تعقيدات الواقع السياسي ومحدداته. هذا التحول لم يكن سلبياً بالمطلق، لكنه كشف عن حاجة ملحة لإعادة إنتاج الفكرة الفتحاوية بما يتناسب مع زمن جديد، دون التفريط بجوهرها التحرري.
وفي هذا السياق، يبرز فصل حاسم يتعلق بجدلية القيادة وتعدد التيارات داخل الحركة، حيث تتقاطع الأسماء مع المشاريع، وتتحول الشخصيات إلى تعبيرات عن اتجاهات فكرية وسياسية متباينة. وهنا تبرز أسماء مثل محمد دحلان، وناصر القدوة، إلى جانب مروان البرغوثي، كعناوين لتيارات مختلفة داخل الحالة الفتحاوية.
إن مستقبل محمد دحلان داخل فتح يظل رهناً بمدى قدرة الحركة على إعادة استيعاب التناقضات أو الاستمرار في إدارتها من خارج الإطار التنظيمي. فهو يمثل تياراً براغماتياً ذا امتدادات إقليمية، لكنه في الوقت ذاته يثير جدلاً عميقاً داخل البنية الفتحاوية.
أما ناصر القدوة، فيجسد توجهاً إصلاحياً يسعى إلى إعادة تعريف فتح ضمن أطر مؤسسية أكثر وضوحاً، مستنداً إلى خطاب نقدي يحاول إعادة الاعتبار للفكرة الوطنية، غير أن حضوره يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الحركة لتقبل التعدد المنظم.
في حين يظل مروان البرغوثي حالة استثنائية، حيث يجمع بين الشرعية النضالية والرمزية الشعبية، ما يجعله مرشحاً دائماً للعب دور توحيدي داخل الحركة، إذا ما توفرت شروط إعادة صياغة المعادلة الداخلية.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بالأفراد، بل بطبيعة الحركة ذاتها: هل ستبقى فتح حركة تيارات متناقضة كما عرفناها تاريخياً؟ أم أنها ستتجه نحو حالة من الانسجام التنظيمي؟
التجربة التاريخية لفتح تقول إنها حركة تعددية بطبيعتها، وأن هذا التعدد كان في كثير من الأحيان مصدر قوة، لا ضعف. غير أن الفرق بين التعدد الخلاق والتناقض المدمر يكمن في وجود إطار ناظم قادر على إدارة الاختلاف. فإذا نجح المؤتمر الثامن في إنتاج هذا الإطار، فإن التعدد سيتحول إلى طاقة إنتاجية، أما إذا فشل، فإن التناقضات ستبقى مفتوحة على احتمالات الانقسام.
وهنا يطرح السؤال المركزي نفسه: هل ستكون فتح في مستوى اللحظة؟ وهل سينجح المؤتمر الثامن في بناء فلسفة سياسية جديدة، قادرة على مواجهة واقع تهيمن عليه نزعات إنكارية ترفض الاعتراف بالوجود الفلسطيني وحقوقه؟ إن التحدي لا يكمن فقط في صياغة خطاب سياسي جديد، بل في تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة، تستعيد المبادرة وتعيد تعريف الممكن.
إن فتح، اليوم، ليست مطالبة بأن تكون نسخة من ماضيها، بل أن تكون امتداداً نقدياً له. فالحركات التي تعيش على أمجادها تموت ببطء، بينما الحركات التي تراجع ذاتها تعيد إنتاج حياتها. ومن هنا، فإن المؤتمر الثامن يجب أن يكون لحظة تأسيس لفلسفة سياسية جديدة، لا تنفصل عن الواقع، ولا تستسلم له، بل تعيد تشكيله وفق رؤية وطنية تحررية.
ختاماً، يمكن القول إن فتح تبني فلسفتها على تناقض النقائض الداخلية؛ فمن رحم الهزيمة تولد القدرة على الاستمرار، ومن عمق الأزمات تنبعث روح الثورة. إنها حركة تعرف أن الديمومة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن البقاء ليس حالة، بل فعل متجدد. وفي هذا التوتر الخلاق بين الانكسار والانبعاث، تكتب فتح سرديتها المستمرة: ثورة لا تنتهي، وفكرة لا تموت….حتى النصر والعودة.





