وقف إطلاق النار في لبنان والهدنة المشروطة بنزع سلاح حزب الله

عمران الخطيب

لا يمكن للرئاسة والحكومة اللبنانية الادعاء بأن إعلان الرئيس دونالد ترامب وقف إطلاق النار والهدنة جاء نتيجة حسن نوايا، بعد اللقاء الذي جمع السفيرة اللبنانية معوض بسفير حكومة الاحتلال الإسرائيلي في واشنطن، داخل مقر وزارة الخارجية الأمريكية. فهذا اللقاء لم يكن مفاجئًا، بل شكّل تعبيرًا عن بداية مسار تطبيع بين “إسرائيل” ولبنان، في إطار مخطط يهدف إلى عزل لبنان وفرض الهيمنة الأمنية والاقتصادية عليه، بما يشمل السيطرة على موارد الطاقة والممرات المائية، ومحاولة تحويل نهر الليطاني إلى حدود أمنية جديدة لدولة الاحتلال.
واللافت أن الدولة اللبنانية اعتبرت أن شروط إيران لوقف إطلاق النار في لبنان تمثل تدخلاً في السيادة الوطنية اللبنانية، في حين أن “إسرائيل” لم تعلن التزامها بالاتفاقيات والقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، ولم تنفذ انسحابها من جنوب لبنان، كما ترفض العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 بين لبنان و”إسرائيل”.
ومن حق لبنان أن يمارس سيادته الوطنية ويتولى زمام قراره، لكن ليس من حق الرئاسة والحكومة الانفراد بالمفاوضات المباشرة مع “إسرائيل” دون غطاء برلماني وسياسي، خاصة أن لقاء السفيرة اللبنانية مع السفير الإسرائيلي جاء في وقت كان فيه العدوان مستمرًا، حيث تعرض جنوب لبنان لقصف صاروخي ومدفعي وجوي، طال أيضًا العاصمة بيروت ومناطق لبنانية أخرى. وقبل يومين فقط من لقاء واشنطن، استُهدفت مدينة النبطية ومقرات الأمن الداخلي، ما أدى إلى استشهاد 12 عنصرًا من قوى الأمن.
قد يتساءل البعض عن حق لبنان في التفاوض، وهذا حق مشروع، لكن يجب أن يكون مقرونًا بوقف إطلاق النار الكامل والانسحاب الشامل إلى ما قبل العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان عام 1978، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425، الذي ينص على انسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية. إن إعادة انتشار الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية من شأنها أن تنزع الطابع العسكري والأمني عن حزب الله، ليصبح حزبًا سياسيًا مدنيًا ضمن التعددية الحزبية اللبنانية.
غير أن “إسرائيل”، بوصفها دولة احتلال، تحمل مشروعًا توسعيًا قائمًا على الاستيطان، وتسعى إلى فرض هيمنة شاملة على المنطقة، ما يدفعها إلى اختلاق الذرائع لتبرير سياساتها. وهنا يبرز السؤال: متى التزمت “إسرائيل” بالاتفاقيات الثنائية أو الدولية وقرارات الشرعية الدولية؟
وما نشهده اليوم من نتائج العدوان الإسرائيلي والإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، يطرح تساؤلات جدية حول مخرجات مؤتمر السلام في شرم الشيخ، الذي رعاه الرئيس دونالد ترامب. فما الذي تحقق بعد مرور أشهر دون أي التزام إسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بالمرحلة الثانية، في ظل استمرار منع اللجنة الإدارية من دخول قطاع غزة؟
وبغض النظر عن المواقف المختلفة تجاه حزب الله، فقد شكّل وجوده المسلح في جنوب لبنان سدًا منيعًا أعاق تقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يخفي طموحاته في التوسع، والتي قد تمتد إلى العاصمة بيروت، كما حدث بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982. وكما يردد قادة الاحتلال: “حدود إسرائيل حيث تصل أقدام جيشها”.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو صياغة استراتيجية عربية موحدة، من خلال مؤتمر دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، يضع حدًا للانتهاكات الإسرائيلية التي تمس الأمن القومي العربي، دون استثناء أي طرف. وفي هذا السياق، دعا أكثر من 350 وزيرًا وسفيرًا ومسؤولًا أوروبيًا سابقًا إلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”، بسبب انتهاكاتها الممنهجة للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية ولبنان.

 

عمران الخطيب

[email protected]