تطرح التصويتات التي جرت في الكونغرس اليومين الماضيين فيما يتعلق بالحرب على ايران ووقف تصدير القنابل والمعدات لإسرائيل فرضية ان مئات ملايين الدولارات التي دفعها اللوبي الصهيوني لأعضاء الكونغرس طوال الأعوام الماضية ذهبت هدرا ولم تعد الاموال الملطخة بدم مئات الالاف ضحايا الصهيونية عاملا حاسما في سيطرة إسرائيل السابقة المطلقة على الكونغرس باعضاءه الديمقراطيين تحديدا ببساطة لأن التأثير الذي تطمح له هذه الاموال يصطدم بموقف صلب من القاعدة الانتخابية الديمقراطية التي باتت رافضة لسياسات إسرائيل واعتداءاتها وجر الولايات المتحدة لحرب خارجية تثقل كاهل الناخب الاميركي.
وتكشف تصويتات الكونغرس عن تراجع واضح في فعالية ” اموال الدم” او إنفاق لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) داخل الحزب الديمقراطي، رغم استمرار ضخ مئات ملايين الدولارات كرشاوي لمرشحين موالين.
لكن الأهم من الأرقام وحدها، أن هذه النتائج تعكس واقعًا جديدًا: الشارع الأميركي بدأ يفرض نفسه على الكونغرس، متجاوزًا تأثير المال السياسي، حتى مع إنفاق ضخم يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة ضغط و”رشاوى سياسية” موجهة لأعضاء الكونغرس.
ولأن هذه التصويتات جاءت استجابة لموقف الشارع الاميركي غير المواتي لإسرائيل والمتطور بهذا الاتجاه منذ نحو عشرين عاما فأن هذا يستبعد فرضية ان يكون دافع هذا التصويت تمرد مؤقت بل موقف دائم يفرضه الشارع.
فبحسب معطيات التصويت، لم يتمكن هذا الإنفاق الهائل من ترجمة نفسه إلى نفوذ فعلي داخل الحزب الديمقراطي، إذ حصلت إيباك على 14 صوتًا فقط من الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب، وذلك خلال 4 تصويتات رئيسية تتعلق بالحرب على إيران ونقل الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل. هذا الرقم يبدو متواضعًا للغاية مقارنة بحجم الاستثمار المقدر بمئات الملايين، ويعكس فجوة متزايدة بين المال السياسي وإرادة ناخبي المشرعين وقواعدهم الانتخابية.
وعند تفكيك الأرقام، تتضح الصورة بشكل أكثر حدة. فقد كان بإمكان إيباك نظريًا حصد ما يصل إلى 355 صوتًا او تصويتا ديمقراطيًا مقسمة كالتالي:
141 صوتًا محتملًا في مجلس الشيوخ (47 سيناتورًا عن الحزب الديمقراطي × 3 تصويتات) كانت على قرارات الحرب ومنع القنابل ومنع تصدير البلدوزرات. يقابلها اصوات 214 ديمقراطيا في مجلس النواب صوتوا لمرة واحدة على قرار الحرب. إلا أن الحصيلة النهائية بين الديمقراطيين لمن صوتوا لصالح الموقف الإسرائيلي باستمرار الحرب ولصالح استمرار ارسال القنابل والبلدوزرات توقفت عند 14 صوتًا فقط، أي بنسبة لا تتجاوز 4% من إجمالي الأصوات الممكنة.
التصويتات شملت قرارات تتعلق بصلاحيات الحرب على إيران، في محاولة لوقف انخراط إدارة ترامب، إضافة إلى مشاريع تهدف لمنع إرسال جرافات كاتربيلر المستخدمة في هدم المنازل الفلسطينية، و12,000 قنبلة زنة نصف طن استُخدمت في عمليات عسكرية ضد الفلسطينيين والإيرانيين واللبنانيين. ورغم فشل هذه القرارات بسبب اغلبية الجمهوريين في ااكونغرس، فإن الانقسام الحاد كشف عن تصدع داخل التوافق التقليدي بين الحزبين على إسرائيل.
على مستوى الأسماء، اقتصر الدعم الديمقراطي لمواقف إيباك على عدد محدود جدًا، بلغ 11 تصويتا من اعضاء مجلس الشيوخ وعضوًا واحدًا في مجلس النواب.
من بين من صوتوا لإسرائيل مجموعة تلقت عشرات الملايين من مال الدم او لأسباب دينية وتاريخية مثل: جون فيترمان وجاريد غولدن، إضافة إلى أسماء مثل تشاك شومر وكيرستن جيليبراند وكريس كونز وريتشارد بلومنثال وغيرهم من كبار المرتشين بمال الدم.
هذه النتائج تطرح تساؤلات جدية حول جدوى الإنفاق السياسي الضخم. فعلى سبيل المثال، أنفقت إيباك وحلفاؤها نحو 17 مليون دولار لدعم فوز النائب ويسلي بيل وإقصاء كوري بوش في سانت لويس بسبب مواقفها الداعية لوقف إطلاق النار في غزة، ومع ذلك صوّت بيل لاحقًا بعكس ما كانت تريده إيباك في ملف الحرب على إيران، في دلالة واضحة على أن ضغط الشارع بات أقوى من الرشاوي ومال الدم الصهيوني.
ولا يعني ان التراجع داخل الحزب الديمقراطي ان نفوذ إيباك اختفى بل انه لا زال قويًا داخل الحزب الجمهوري، حيث صوّتت الغالبية الساحقة لصالح استمرار الحرب وإرسال الأسلحة إلى إسرائيل، باستثناء حالتين فقط: النائب توماس ماسي والسيناتور راند بول.
وتشير بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية إلى أن إيباك ولجنتها الخارقة أنفقتا ما يقارب 127 مليون دولار خلال دورة انتخابات 2023-2024، جزء كبير منها استُخدم في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لإقصاء مرشحين تقدميين منتقدين للحرب في غزة، من بينهم جمال بومان، الذي خُصص له نحو 9 ملايين دولار لإسقاطه.
في المقابل، تعكس مواقف عدد من الشخصيات الديمقراطية البارزة التي قد تخوض سباق الرئاسة في 2028 مثل كوري بوكر ومارك كيلي وكريس مورفي تحولًا ملحوظًا، إذ صوتوا لصالح قرارات تقيد الحرب وتمنع نقل الأسلحة، في محاولة واضحة لمواكبة التحول في الرأي العام داخل قواعدهم الانتخابية.
المهم هنا ان هذا التحول وصل الان الى المستوى التشريعي في الحزب الديمقراطي بضغط من الشارع الأميركي الذي فرض على اعضاء الكونغرس المرتشين من ايباك في ظل تصاعد الغضب الشعبي من الحروب وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية التصويت لمصلحة امريكا اولا قبل ان يكون لمصلحة فلسطين بما يعني ان مصالح إسرائيل باتت تتناقض مع مصالح الناخب الاميركي. ومع تزايد هذا الضغط، لم يعد المال السياسي وحده كافيًا لضبط اتجاهات التصويت داخل الكونغرس، حتى مع إنفاق مئات ملايين الدولارات.
في المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن ميزان القوة بدأ يتغير: المال لا يزال حاضرًا، لكنه لم يعد حاسمًا كما كان. الشارع الأميركي يفرض إيقاعه على المستوى التشريعي تدريجيًا، ويعيد رسم حدود النفوذ داخل واشنطن.
لم يعد من الضروري انتظار الانتخابات النصفية لحسم الطلاق البأئن بين مصالح الاميركيين والمصالح الإسرائيلية فالشارع بدء يفرض موقفه حتى على مئات اعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذين تكشف السجلات العامة الموثقة على موقع تراك ايباك ان معظمهم مرتشي بالمال الصهيوني الاسود.
هؤلاء المرتشين يقفزون الان واحدا تلو الاخر من سفينة “ايباك” الغارقة طلبا للنجاة بمستقبلهم السياسي بعد ان باتوا متواطئين بتسهيل ارتكاب ابادة جماعية مقابل رشاوي من اموال سوداء.
نفس الحراك الذي بدء منذ سنوات داخل الحزب الديمقراطي وحقق الطلاق بين قاعدته وإسرائيل بدء منذ نحو عام داخل الحزب الجمهوري وهو ما تأكده استطلاعات الرأي العام المتتالية.
دعم إسرائيل حتى قبل عشر سنوات كان محل إجماع أمريكي شعبي وحزبي والان فقدت الدعم الشعبي ودعم الحزب الديمقراطي والموقف من إسرائيل قضية خلافية في الحزب الجمهوري فهل سنشهد قريبا نهاية مشروع الصهيونية في امريكا كمقدمة لتفكيك مشروع الابارتهايد في فلسطين.









