الوطن ككائنٍ أنطولوجي: في وحدة الجسد السياسي ومعنى الانفصال:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في خضمّ الانهيارات المتتالية التي تشهدها الدولة الوطنية في المشرق العربي، تعود الأسئلة التأسيسية لتطرق أبواب الوعي الجمعي: ما الوطن؟ ما حدوده؟ وهل يجوز تمزيقه باسم الحقوق الإثنية أو الذاتيات الهوياتية؟ إنّ هذه الأسئلة، وإن بدت في ظاهرها سياسية، فإنّ جوهرها أنطولوجي، يتعلّق بطبيعة الكيان الوطني ووحدة الجسد الجمعي.
إنّ الوطن ليس خارطةً تُرسم بالمسطرة، بل هو جسدٌ عضويّ حيّ، تنمو خلاياه عبر التاريخ، وتتّحد أطرافه بالذاكرة والمعاناة المشتركة. ومن هنا، فإنّ أيّ انفصال عن هذا الجسد لا يكون إلا بترًا دامياً وجرحًا لا يندمل. وقد عبّر المفكّر الفرنسي إيمانويل مونييه عن هذا المعنى حين قال: «الإنسان لا يعيش في الجغرافيا، بل في الانتماء»، مشيرًا إلى أنّ الكيان السياسي ليس مجرّد مساحة، بل منظومة من الترابط الوجودي.
وقد شبّه كارل شميت، في تنظيره للجسد السياسي، الدولة بالكائن العضوي الذي إذا تعرّض أحد أعضائه للقطع اختلّ توازنه وفقد معناه. فالانفصال، إذن، فعلٌ جراحيّ يفتح الجسد على جراح لا تندمل، ويُنتج أجيالًا من الحقد والكراهية، تعرقل كلّ مشروعٍ تنموي، وتعيد تشكيل الهويات في قوالب مغلقة وعدائية.
ومن منظورٍ آخر، يرى فرانز فانون أنّ الاستعمار يُغذّي نزعات الانفصال لتفتيت الكيانات الوطنية وإنتاج تبعيات جديدة، تحت مسمّيات الهويات الثقافية أو الحقوق القومية، لكنه في جوهره «عملية تقويض للذات عبر سحبها إلى صراعات داخلية لا تنتهي». أمّا أنطونيو غرامشي فقد نبّه إلى خطر «التمزيق الثقافي» حين تهيمن مجموعات فرعية على الحقل الرمزي، فتنشأ دولة بلا وعي، ووعي بلا دولة.
إنّ مشاريع الانفصال ليست مجرّد مطالب سياسية، بل هي انهيارات في تصوّر الذات الجمعية، وتهديدٌ لجوهر الكينونة الوطنية التي يجب أن تُصان بوصفها رابطةً تضامنية لا تفكيكية. فحين يفقد الوطن وحدته، يفقد أفقه التاريخي، ويغدو مجرّد رقعةٍ تتنازعها الأيديولوجيات.
لقد كتب توماس هوبز عن الدولة بوصفها «ليفياثان» – كائنًا هائلًا يحمي الأفراد من الفوضى. وإذا صحّ هذا التصوّر، فإنّ الانفصال ليس تحريرًا، بل تعرية للفرد أمام غيلان التاريخ، وهو ما قد يشكّل مقتلةً للمنفصل قبل أن يكون للمنفصل عنه.
إنّ المعركة اليوم ليست بين قوميات، بل بين من يؤمن بأنّ الوطن وحدةٌ عضوية لا تتجزّأ، ومن يراه مجرّد صفقة سياسية قابلة للتفاوض. وإن كانت الفلسفة، في جوهرها، بحثًا في شروط العيش المشترك، فإنّ الدفاع عن وحدة الجسد الوطني ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو موقفٌ أنطولوجي يضع الكينونة قبل الجغرافيا.