في كل مرة تُرفع فيها شعارات الحرية وحقوق الإنسان في القاعات الأوروبية، يتوقع العالم أن يرى لهذه الكلمات صدى في الواقع. لكن ما جرى مؤخرًا يكشف شيئًا آخر تمامًا؛ يكشف أن القيم قد تتحول، عند لحظة الاختبار، إلى مجرد عبارات تُقال… لا مبادئ تُدافع عنها.
قرار ألمانيا وإيطاليا رفض تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، رغم تصاعد الغضب العالمي وما يجري من دمار في غزة ولبنان، ليس مجرد موقف سياسي عابر. إنه رسالة صادمة تقول بوضوح: حين تتعارض المصالح مع القيم، تُدفن القيم بلا تردد.
أي إنسانية هذه التي تُغضّ الطرف عن مشاهد الدمار؟
أي حقوق إنسان هذه التي تصمت أمام نزيف الأطفال والنساء تحت الأنقاض؟
أي عدالة هذه التي تُطبّق بميزانين—ميزان صارم على الضعفاء، وميزان متساهل مع الأقوياء؟
في غزة، لا يحتاج العالم إلى تقارير ليرى الحقيقة؛ فالصورة أوضح من كل الكلمات: مدن تُسوّى بالأرض، عائلات تُمحى من السجل، وأجيال تُدفن قبل أن تُمنح فرصة للحياة. وفي لبنان، يتكرر المشهد ذاته على إيقاع صمت دولي مريب، وكأن الدم العربي أصبح تفصيلًا ثانويًا في حسابات السياسة.
الأخطر من ذلك ليس القصف وحده، بل التواطؤ بالصمت. فحين ترفض دول كبرى اتخاذ موقف أخلاقي واضح، فإنها لا تكتفي بالحياد، بل تمنح غطاءً ضمنيًا لاستمرار المأساة. الصمت هنا ليس حيادًا… بل انحياز.
لطالما قدّمت أوروبا نفسها كحامية للقانون الدولي، وكصوتٍ عالٍ في الدفاع عن الكرامة الإنسانية. لكن هذا الصوت يخفت، بل يختفي، عندما تكون الضحية فلسطينية أو لبنانية. وهنا، تتعرى الحقيقة المؤلمة: المعايير ليست واحدة، والإنسان ليس متساويًا في ميزان السياسة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل أزمة أخلاق. أزمة تكشف أن النظام الدولي، بكل مؤسساته وشعاراته، يعاني من خلل عميق حين يعجز عن حماية الأبرياء أو حتى إدانة قتلهم بوضوح.
قد تستطيع الدول أن تبرر مواقفها بلغة الدبلوماسية، وقد تختبئ خلف تعقيدات السياسة، لكن الشعوب ترى، والتاريخ يكتب، والذاكرة لا تمحى. سيأتي يوم تُسأل فيه هذه الدول: أين كنتم حين كانت الإنسانية تُذبح على مرأى العالم؟
وحينها، لن تنفع البيانات، ولن تشفع المصالح، لأن الحقيقة ستكون أبسط وأقسى:
لقد سقطت الأقنعة… وسقط معها ادعاء الانسانيه





