السياسي – “هل هذه هي القدس المحتلة؟!”، تساءل أحد المدونين المغاربة، ليجيب بالنفي، ويوضح أن الأمر يتعلق بسور “باب دكالة” في مدينة مراكش، الذي تحوّل إلى ما يشبه “حائط المبكى” في القدس.
وعلّق المدون نفسه على فيديو متداول منذ مساء أمس، يظهر فيه أشخاص يبدون من هيئاتهم ذوي ديانة يهودية، يؤدون طقوسا أشبه بالصلاة. ليعود إلى التساؤل: “هل هذه أرضهم منذ ثلاثة آلاف سنة، عادوا إليها، ووقفوا أمام مكان مقدس، ونحن لا نعرف ذلك؟.” ليختم تدوينته بالقول: “هذا أمر غريب ومرعب!ّ”.
كانت هذه التدوينة مثالا للغضب الذي عبّر عنه العديد من المغاربة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقطع فيديو يوثّق لحظات تجمع عشرات الأشخاص وهم يؤدّون طقوسا دينية يهودية بشكل جماعي في الفضاء العام قرب أحد أسوار مدينة مراكش، وتحديدا في منطقة باب دكالة.
المشهد الذي بدا كما لو أنهم أمام “حائط المبكى” في القدس، ظهر فيه مجموعة من الرجال يرتدون اللباس الديني اليهودي التقليدي، بما في ذلك شالات الصلاة (التاليت) والقبعات (الكيباه)، وهم يؤدّون حركات جماعية وأدعية دينية بشكل علني بجوار سور “باب دكالة” التاريخي في المدينة.
وأفاد أحد المواقع أن أولئك الأشخاص جيء بهم عبر إحدى الحافلات، حيث نزلوا في المكان نفسه، وأدوا تلك الطقوس بشكل غير مسبوق في فضاء مفتوح بالمغرب، قبل أن يعودوا من حيث أتوا. ولم تفصح المصادر عما إذا كان الأمر يتعلق بسياح أجانب ذوي أصول يهودية، كما لم يصدر لحد كتابة التقرير أي تعليق رسمي في الموضوع.
وتساءل البعض: هل حصل أولئك الأشخاص على تصريح رسمي يأذن لهم بممارسة تلك الطقوس بشكل علني وفي مكان عام؟ وهو ما تنظمه القوانين المحلية المتعلقة بالتجمعات. فيما طالب البعض “بضرورة توضيح ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصرفات، بما يحفظ حرمة الأماكن ويحترم قوانين البلاد”.
ولم يتوقف النقاش عند حدود اعتباره انتهاكا لحرمة الأماكن التاريخية، بل امتد إلى تفسيرات وتأويلات ذات طابع سياسي، حيث ربط بعض المتفاعلين الحدث بالسياق الإقليمي الراهن، ما زاد من حدة الجدل.
وكتب الصحافي حسن المولوع: “هذا مظهر من مظاهر الاستفزاز… فالمغرب ظل، على الدوام، حريصا على صون مختلف المعتقدات والديانات في أماكنها المخصصة، غير أن هذا المشهد، حسب ما يوثقه الفيديو المتداول، لا يمكن فهمه إلا في سياق سلوك يروم الإثارة والاستفزاز داخل بلد ينص دستوره على أن الإسلام دينه الرسمي”.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر السلطات المحلية في مراكش أو ممثلو الطائفة اليهودية أي بيان رسمي يوضح ملابسات الواقعة أو يشرح أسباب اختيار هذا الموقع تحديدا لإقامة هذه الطقوس.
وفي رأي عدد من الرافضين لهذا السلوك، فإن الجدل لا يرتبط فقط بالفعل في حد ذاته، بل بعدة عوامل مجتمعة، من بينها الطابع العلني والمفتوح للطقوس، ودلالة الموقع الرمزية، إضافة إلى اختيار توقيت يتزامن مع توترات إقليمية وعالمية حساسة. وكتب الصحافي حسن اليوسفي المغاري تدوينة جاء فيها: “ما تم تداوله صباح اليوم من فيديو أمام سور باب دكالة بمراكش ليس مجرد “واقعة” عابرة، بل مشهد صادم بكل المقاييس، يستفز الوعي الجماعي ويطرح أسئلة ثقيلة حول ما يراد تمريره بصمت”، وتابع: “طقوس تلمودية تمارس في الفضاء العام، في قلب مدينة مراكش.. مدينة المرابطين ومدينة يوسف بن تاشفين.. المدينة ذات الرمزية التاريخية العميقة. دون أي حساسية للسياق، ودون أي اعتبار لوجدان مجتمع واضح الموقف من قضايا الأمة”
وأوضح قائلا: “هذا ليس تعايشا، كما يحلو للبعض التباهي به، بل استفزاز فجّ، ومحاولة مكشوفة لفرض واقع جديد بالقوة الناعمة”، واعتبر أن “ما يجري هو نتيجة مباشرة لمسار التطبيع، الذي لم يتوقف عند حدود العلاقات الرسمية، بل بدأ يتسلل بوقاحة إلى الفضاء العام، مستندا إلى صمت مريب، وتطبيع أخطر منه.. تطبيع الوعي”. وتساءل: “أي منطق هذا الذي يسمح بتحويل رموز المدينة وتاريخها، بل ورموز مدن أخرى، إلى مسرح لطقوس ذات حمولة سياسية حساسة؟ وأي رسالة توجه للمغاربة حين يُترك المجال مفتوحا أمام مثل هذه الممارسات دون مساءلة أو توضيح؟”. وأكد أن “هذا مسار لا يقبله الشعب المغربي الأصيل، إنه انزلاق خطير، وتجاوز غير مقبول، وضرب صريح للحدود الرمزية والثقافية التي لم تكن يوما محل تفويض أو نقاش شعبي”.







