في غزة، لا تقف المأساة عند حدود الجوع والنزوح وفقدان البيوت، بل تتعدى ذلك إلى ما بعد طوابير ومراكز المساعدات، حيث المفترض أن تكون فيه المساعدة الإنسانية خط الدفاع الأخير عن الكرامة، لكن أصوات من الداخل كشفت عن واقع مختلف، واقع تختلط فيه الحاجة بالخوف، ويصبح فيه طلب النجاة بابا مفتوحا للاستغلال.
وفي ظل الفوضى وانهيار منظومات الحماية في قطاع غزة، خرجت روايات صادمة عن نساء وجدن أنفسهن أمام مساومات قاسية، طرد غذائي، قسيمة مالية، فرصة عمل، أو تسجيل اسم في كشف مساعدات… لكن مقابل “تنازلات” لا يتم الحديث عنها علنا.
ووفقا لتقارير دولية فإن مخاطر الاستغلال الجنسي المرتبط بالحصول على المساعدات في قطاع غزة، قد ارتفعت بشكل كبير، خصوصا بين النساء المعيلات، الأرامل، المطلقات، وزوجات الشهداء والمفقودين.
تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان أشار إلى أن الأسر التي ترأسها نساء في غزة أصبحت أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والانتهاكات، في محاولة للوصول إلى مساعدات أو تلبية احتياجات أساسية.
وتحدثت نساء في غزة عن أنهن تلقين وعودا بالطعام أو المال أو العمل مقابل تفاعلات أو مطالب ذات طابع جنسي، فيما أكدت منظمات حقوقية وإغاثية أنها على علم ببلاغات مرتبطة بالاستغلال الجنسي مقابل المساعدة، فيما الأكثر خطورة هو استهداف النساء الأكثر ضعفا مثل أرامل بلا معيل، زوجات شهداء، أمهات يبحثن عن كيس طحين أو علاج لأطفالهن، في هذه البيئة، لا يكون الابتزاز دائما مباشرا، بل أحيانا يبدأ برسالة، أو وعد بالمساعدة، أو طلب “زيارة خاصة”، أو تلميح بأن الاسم قد يُحذف من كشف التوزيع.
وتحدثت تقارير حديثة بقيام عناصر أو أشخاص مرتبطين بحركة حماس وجهات نافذة في غزة باستغلال حاجة النساء، مقابل الغذاء أو المساعدات، وهو ما ينسجم مع نمط أوسع من المخاطر التي حذرت منها منظمات إنسانية بشأن الاستغلال الجنسي في مناطق النزاع.
ولا تقف القضية عند النساء فقط. فمصادر محلية تتحدث أيضا عن ضغوط قد تمارس على رجال وأسر فقيرة عبر بوابة “الحماية” أو المساعدة، وصولا إلى محاولات دفعهم لتزويج بناتهم القاصرات تحت ضغط الفقر والخوف والجوع. وهذا النوع من الاستغلال من أخطر أشكال العنف الاجتماعي، لأنه يحول الحاجة الإنسانية إلى أداة لكسر العائلات.
وعلى الرغم من أن الضحايا نادرا ما يتحدثن، خوفا من الفضيحة، الانتقام، خسارة المساعدة، أو اتهام الضحية نفسها، مما يجعل الصمت هو الخيار الأكثر أمنا لكثيرات، إلا أن شهادات متطابقة تثبت تحول المساعدات إلى وسيلة ضغط واستغلال تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النساء.
تروي السيدة الثلاثينية سهام، وهي نازحة وأم لثلاثة أطفال، أنها تلقت عرضا من شخص قدم نفسه كوسيط للحصول على مساعدات غذائية: “قال لي بشكل واضح: إذا بدك أساعدك، لازم تكوني متعاونة… فهمت قصده مباشرة”.
وتؤكد السيدة أنها رفضت، لكنها تشير إلى أن أخريات “اضطررن للسكوت أو القبول تحت ضغط الجوع”.
شهادة أخرى لسيدة أرملة أفادت بأن شخصا عرض عليها “مساعدة مالية مستمرة” مقابل “ارتباط عاطفي غير رسمي”، وهو ما وصفته بأنه ابتزاز مغلف بمصطلح الزواج.
أما الفتاة العشرينية رباب وهي نازحة من شمال القطاع فتقول: “وقفت ساعات عشان أحصل على كرتونة غذاء. واحد حكى لي: إذا بدك تمشي أمورك بسرعة… تعالي نحكي لحالنا. فهمت المقصود، وخفت”.
ألاء البالغة من العمر 35 عاما، أرملة وأم لطفلين تقول: “عرضوا عليّا مساعدة شهرية، بس مش مجانية. كانوا يحكوا عن زواج… بس واضح إنه مش زواج حقيقي، هو ضغط واستغلال، فيما تقول العشرينية فاطمة: “حكالي الشغل موجود، بس بدنا نشوف قديش انتي متعاونة.. طلعت من المكان وأنا مرعوبة”.
وتؤكد السيدة الاربعينية فاتن أنه: “كل ما تكوني محتاجة أكثر، بصير الضغط عليكِ أكبر،، بيختاروا اللي ما عندها سند”.
فيما تقول روان (31 عاما): “في البداية حكى عن طرد غذائي، بعدين صار يحكي عن جلسة خاصة… لما رفضت، اختفى كل شي.
أما أبو خالد فيقول: “الجوع قاسي… في ناس بتلمّح لزواج بنات صغار مقابل مساعدة. رفضت، بس بعرف ناس اضطرت تسكت”.
كما تشير الشهادات إلى تورط أفراد يقدمون أنفسهم كوسطاء أو مرتبطين بجهات توزيع مساعدات، وعناصر محسوبة على حركة حماس وجهات حكومية في هذه الممارسات، فيما كان أخطر ما ورد في بعض الشهادات هو الحديث عن ضغوط اجتماعية على عائلات فقيرة لتزويج بناتهم القاصرات مقابل مساعدات.
أحد الآباء قال: “وصلنا لمرحلة صار فيها الجوع أقسى من أي شيء… في ناس بتستغل هالحالة وتلمّح لحلول زواج مقابل المساعدة، بينما تؤكد إحدى العاملات في المجال الإنساني أن: “ما يتم الحديث عنه علنا هو جزء بسيط جدا مما يحدث فعليا”.
في المقابل، يرى مختصون أن الحل يبدأ بـ: إنشاء قنوات آمنة للإبلاغ، ورقابة مستقلة على توزيع المساعدات، ومحاسبة أي جهة أو فرد يثبت تورطه، مؤكدين أن ما تكشفه هذه الشهادات لا يمكن التعامل معه كحالات فردية معزولة فقط، بل كمؤشر خطير على إمكانية تحوّل المساعدات إلى أداة ابتزاز في بيئات الأزمات.
كما تؤكد منظمات إغاثية أن لديها سياسات “صفر تسامح” مع الاستغلال والانتهاك الجنسي، لكن وجود سياسات مكتوبة لا يكفي حين تكون الضحية بلا هاتف آمن، ولا حماية، ولا ثقة بأن الشكوى لن تعود عليها بالعقاب أو التشهير.
ما تكشفه هذه الشهادات ليس قصة واحدة، بل نمطا هشا يتشكل عند تقاطع الجوع مع انعدام الحماية، وقد لا تكون الصورة مكتملة، لكن ما يظهر منها يكفي لطرح سؤال كبير: ماذا يحدث حين تتحول المساعدة إلى أداة ضغط؟
الإجابة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة، رقابة صارمة، وقنوات آمنة للضحايا، قبل أن تتحول هذه الشهادات إلى واقعٍ أوسع لا يمكن إنكاره.








