السياسي – في وقت تتزايد فيه الضغوط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحسم مسار المواجهة مع إيران، تتصاعد التحذيرات من أن أي مفاوضات محتملة مع طهران لن تنجح بمنطق الإملاءات أو الضغط العسكري فقط.
أكد موقع بوليتيكو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحتاج إلى إعادة النظر بعمق في مقاربتها الحالية تجاه إيران، إذا كانت جادة فعلًا في التوصل إلى اتفاق ينهي حالة المواجهة المفتوحة، مشيرًا إلى أن المفاوضات مع طهران لا يمكن أن تُدار بمنطق الضغط العسكري وحده أو عبر تصورات سريعة تتجاهل تعقيدات الملف الإيراني الممتد منذ سنوات.
وأشار الموقع، في مقال للكاتبة المختصة بالشؤون الدولية نهال توسي، إلى أن ترامب كان قد رفض مؤخرًا الانتقادات التي تحدثت عن استعجاله إنهاء الحرب مع إيران، مؤكدًا أنه لا يتعرض لأي ضغوط وأن لديه متسعًا من الوقت، إلا أن الكاتبة رأت أن المشكلة لا تتعلق بضيق الوقت بقدر ما تتعلق بغياب الوضوح داخل الإدارة الأمريكية نفسها بشأن ما تريد تحقيقه من أي مفاوضات محتملة مع النظام الإيراني.
وتابع أن الاستعدادات الأمريكية في مسار التصعيد العسكري لم تكن محكمة كما ينبغي، فيما بدت الجهود الدبلوماسية حتى الآن أقل من مستوى التحدي، لافتًا إلى أن إنهاء الحرب ــ إن حدث ــ ثم الحفاظ على هذا الهدوء سيكون أكثر تعقيدًا بكثير مما يتصوره مساعدو ترامب، خاصة في ظل طبيعة النظام الإيراني وخبرته الطويلة في إدارة التفاوض مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وأكدت الكاتبة، نقلًا عن مسؤولين وخبراء سبق لهم التعامل مع الملف الإيراني، أن الإدارة الأمريكية ما زالت أمام أسئلة مركزية لم تحسمها بعد، من بينها طبيعة الاتفاق المطلوب، وحدود التنازلات الممكنة، وما إذا كانت واشنطن مستعدة أصلًا للدخول في مسار تفاوضي طويل ومكلف سياسيًا.
وأشار مايكل سينغ، المسؤول السابق في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، إلى أن التفاصيل في هذا النوع من الاتفاقات ليست مسألة ثانوية، بل هي جوهر العملية كلها، موضحًا أن كل إدارة أمريكية جديدة تضطر لتعلم هذه الحقيقة بالطريقة الصعبة، بينما يأتي الإيرانيون إلى الطاولة وهم يحملون خبرة تفاوضية تراكمت عبر سنوات ومع فرق تفاوض متشابهة تعاملت مع أكثر من إدارة في واشنطن.
وتابع أن ما قد يبدو تنازلًا إيرانيًا في ظاهره قد يتحول عند التدقيق إلى مكسب إيراني وتراجع أمريكي، إذا لم تكن لدى واشنطن معرفة دقيقة بالصياغات والآليات والتفاصيل الفنية والقانونية التي تُبنى عليها مثل هذه التفاهمات.
وأكد المقال أن الكاتبة لا تبدو مقتنعة أصلًا بأن ترامب مستعد نفسيًا وسياسيًا للالتزام الكامل بخيار الدبلوماسية، حتى مع وجود وقف إطلاق نار هش، لافتة إلى أن الرئيس الأمريكي يميل بطبيعته إلى إظهار القوة العسكرية ويعرف أن إيران لا تزال الطرف الأضعف ميدانيًا واقتصاديًا، إلا أن استمرار التداعيات الاقتصادية العالمية وتضرر المصالح الأمريكية وسمعة الولايات المتحدة قد يدفعه في النهاية إلى الجلوس على طاولة التفاوض بشكل أكثر جدية.
وأشار الموقع إلى أن أول سؤال مصيري أمام ترامب يتمثل في ما إذا كان مستعدًا للقبول باتفاق ينتهي ببقاء النظام الإيراني في السلطة، لأن أي تفاوض واقعي لا بد أن ينطلق من هذه الحقيقة، ولفت إلى أن هذا السيناريو يواجه رفضًا من قطاعات واسعة من الإيرانيين المعارضين الذين يريدون إسقاط النظام، كما أنه لا يحظى بقبول لدى إسرائيل وبعض الدول العربية التي ترى في طهران مصدرًا رئيسيًا لاضطرابات الشرق الأوسط.
وتابع أن الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، رغم قوتها، لم تنجح في إحداث هزة داخلية تطيح بالنظام، إذ لم تشهد البلاد انتفاضة شعبية خلال القصف، كما أن احتفاظ طهران بورقة مضيق هرمز يمنحها عنصر ضغط لا يمكن تجاهله، وهو ما يجعل خيار السعي إلى اتفاق أكثر واقعية من الرهان على تغيير النظام.
وأكد المقال أن إدارة ترامب، إذا قررت المضي في هذا المسار، ستكون مضطرة لمواجهة حملات تشكيك وضغوط من جانب التيار المتشدد المعادي لإيران داخل واشنطن وخارجها، موضحًا أن الإسرائيليين وربما بعض العواصم العربية قد يلجؤون إلى تسريبات إعلامية محسوبة، فيما ستنشط مراكز الأبحاث الأمريكية في الدفع نحو تشديد الموقف الأمريكي حتى لو كان ذلك على حساب فرص التوصل إلى اتفاق.
وأشار إلى أن هذا المشهد ليس جديدًا، فقد تكرر سابقًا خلال التفاوض على الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، إلا أن البيئة الحالية أصبحت أكثر تعقيدًا مع تضخم أدوات التأثير الإعلامي والدعائي.
وتابع أن السؤال الأهم الذي يتعين على إدارة ترامب حسمه يتمثل في تحديد الحد الأدنى من المطالب الأمريكية: هل ستكتفي واشنطن بالملف النووي فقط؟ أم ستضم إليه برنامج الصواريخ الباليستية؟ أم ستفتح كذلك ملف النفوذ الإيراني عبر الميليشيات الحليفة في المنطقة؟ وماذا عن أمن مضيق هرمز؟ موضحًا أن تجاهل أي بند من هذه البنود سيخلق أزمة لاحقًا، بينما إدراجها جميعًا سيجعل الاتفاق أكثر صعوبة وتعقيدًا.
وأكدت الكاتبة أن أي حديث أمريكي عن “إطار تفاوضي” أو قائمة عناوين عامة لن يكون كافيًا، لأن الإطار السياسي لا يصنع اتفاقًا فعليًا ما لم يتحول إلى نصوص تفصيلية تحدد بدقة من يفعل ماذا، ومتى، وكيف، وبأي آليات رقابة وتنفيذ، خاصة في ما يتعلق بالتحقق من التزام إيران ببنود الاتفاق.
وأشار المقال إلى أن اتفاق عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، يمكن أن يشكل مادة دراسية مهمة لمسؤولي إدارة ترامب، حتى لو كانوا لا يرغبون في تكراره سياسيًا، لأنه يكشف حجم التفاصيل الفنية والقانونية المطلوبة في مثل هذه الملفات، لافتًا إلى أن نص الاتفاق وحده تضمن أكثر من مئة إشارة إلى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التفتيش والتحقق.
وأكد داريل كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح، أن وجود جهة رقابية ذات مصداقية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يظل عنصرًا حاسمًا في أي تفاهم نووي مع إيران، لأن التعهدات الشفوية أو السياسية وحدها لا تكفي لضمان التنفيذ.
وتابع الموقع أن الوصول إلى اتفاق شامل قد لا يكون الخيار الوحيد، إذ يمكن للإدارة الأمريكية أن تلجأ إلى اتفاق مؤقت أو هدنة دبلوماسية تمنح الطرفين وقتًا إضافيًا للتفاوض، على غرار المسار الذي سبق الاتفاق النووي النهائي في عهد أوباما، خاصة أن ترامب قد يرغب في تحقيق اختراق سريع يستطيع تقديمه داخليًا قبل انتخابات التجديد النصفي.
وأشار إلى أن واشنطن قد تضطر أيضًا إلى فتح مسارات تفاوض موازية بدلًا من حصر كل الملفات في سلة واحدة، كما حدث سابقًا عندما نجحت إدارة أوباما في إدارة قناة منفصلة أفضت إلى الإفراج عن أمريكيين محتجزين في إيران.
وأكد المقال أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن إيران لن تقدم تنازلات مجانية، إذ من غير المرجح أن توافق على قيود جديدة دون مقابل أمريكي واضح، وفي مقدمة ذلك تخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية التي خنقت تجارتها الخارجية، بل وقد تطالب بضمانات أكثر صلابة تحول دون انسحاب أي رئيس أمريكي لاحق من الاتفاق.
وتابع أن إدارة ترامب، مهما كان تحفظها على البيروقراطية التقليدية في واشنطن، ستحتاج إلى خبراء حكوميين متمرسين يعرفون هذا الملف بدقائقه، لأن المسؤولين الإيرانيين، رغم ضعفهم العسكري والاقتصادي النسبي، ليسوا ساذجين ولن يقبلوا بأي صيغة لا تحفظ لهم قدرًا من الاحترام والمكاسب.
ونقل الموقع عن علي واعظ، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، تأكيده أن ترامب يجب أن يدرك أن الضغط وحده لا يصنع اتفاقًا، وأن غياب الاحترام المتبادل وغياب الرغبة في صياغة تسوية تمنح كل طرف شيئًا يمكن أن يقبل به سيعني ببساطة فشل المفاوضات مهما بلغ حجم الضغوط المفروضة على طهران.
وأشار المقال إلى أن إدارة ترامب قد تجد نفسها في موقف أضعف إذا واصلت التفاوض بعقلية أحادية ومن دون تنسيق مع القوى الدولية المؤثرة مثل روسيا والصين، لأن بعض الملفات الفنية، مثل مصير اليورانيوم عالي التخصيب، قد تحتاج إلى طرف ثالث قادر على استيعابها والتعامل معها، وهو ما يجعل التعاون مع موسكو أو بكين أمرًا لا يمكن تجاهله بسهولة.
وتابع أن الإدارة الأمريكية ستواجه كذلك تحديًا داخليًا إذا لم تعمل على إشراك الكونغرس في أي تفاهم مقبل، لأن أي اتفاق هش قابل للانهيار السياسي في واشنطن سيكون مهددًا بالتفكك بمجرد تغير المزاج الداخلي.
وفي ختام المقال، أكد موقع بوليتيكو أن إدارة ترامب مطالبة، قبل أي شيء، بفهم حقيقة أساسية مفادها أن الإيرانيين، رغم ما تعرضوا له من ضغط عسكري واقتصادي، لن يدخلوا أي صفقة من موقع الاستسلام، وأن أي اتفاق قابل للحياة لن يُبنى فقط على التهديد، بل على معادلة واضحة من الاحترام والتفاصيل الدقيقة والمصالح المتبادلة.





