من قلبٍ فلسطيني لا يعرف الانكسار ومن روحٍ لا تعترف بالهزيمة، أكتب هذه الكلمات لا بوصفها حالة عاطفية عابرة، بل باعتبارها موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يعكس وعي جيلٍ كاملٍ من الشباب الفلسطيني الذي قرر أن يكون حاضرًا في الفعل لا متفرجًا على المشهد.
فلسان حال كل شاب فلسطيني يقول للعالم: أنا شاب فلسطيني لاجئ في الذاكرة وثابت في الهوية ودارسٌ للعلم ومدركٌ لتعقيدات الواقع ومنتمٍ انتماءً لا يقبل المساومة. أحب فلسطين حبًا يتجاوز الشعارات، وأرى في محيطها العربي امتدادًا طبيعيًا لروحها وقضيتها. هذا الانتماء ليس ترفًا فكريًا بل مسؤولية تُترجم في الميدان وفي الكلمة وفي القرار.
في هذا السياق، تأتي الانتخابات المحلية الأخيرة لتؤكد حقيقة راسخة وهي أن شعبنا رغم كل ما يواجهه من ضغوط وتحديات ما زال متمسكًا بخياره الديمقراطي، وما زال يؤمن أن صوته هو أداته الأصدق في التعبير والتأثير. إن هذا المشهد ليس تفصيلاً عابرًا، بل رسالة واضحة بأن الإرادة الشعبية قادرة على فرض حضورها وأن الحياة السياسية الفلسطينية ما زالت تمتلك عناصر التجدد والاستمرار.
إننا إذ نبارك هذا الإنجاز، فإننا لا نقف عند حدود التهنئة بل نقرأ في نتائجه مؤشرات عميقة تتطلب مسؤولية مضاعفة من الجميع، وفي مقدمتهم حركة فتح التي لم تكن يومًا مجرد إطار تنظيمي، بل شكلت تاريخيًا حالة وطنية جامعة وحاضنة سياسية واجتماعية لعبت دورًا محوريًا في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني.
فتح اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى بأن تعيد تأكيد موقعها الطبيعي بين الناس، لا من موقع الامتياز بل من موقع الشراكة الحقيقية. مطالبة بأن تُصغي جيدًا وأن تقترب أكثر وأن تترجم حضورها إلى سياسات وخدمات تلامس حياة المواطن اليومية وتعيد بناء الثقة على أسس واضحة من الشفافية والعمل والإنجاز.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الفوز الانتخابي، بل في القدرة على تحويل هذا الفوز إلى نموذج حكم محلي يعكس قيم الحركة وتاريخها ويقدم للناس ما يستحقونه من خدمات وكرامة وفرص. وهنا، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة النتائج ومن الخطاب إلى الفعل.
نحن لا نبحث عن خطاب يُرضي اللحظة، بل عن نهجٍ يُؤسس للغد. نهج يؤمن أن قوة فتح كانت دائمًا في قربها من الناس وفي قدرتها على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم، وأن استمرارها مرهون بقدرتها على تجديد نفسها، واستيعاب طاقات الشباب، والاستفادة من خبرات الكبار، ضمن رؤية متوازنة تعكس وحدة الحركة وتماسكها.
إن المرحلة القادمة تفرض علينا جميعًا، كأبناء لهذا الوطن، أن نرتقي إلى مستوى التحدي وأن نُغلب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى، وأن نُعيد الاعتبار للعمل الوطني القائم على المسؤولية، لا على ردود الفعل.
وفي هذا الإطار، أقولها بوضوح: ستبقى فتح من الناس وللناس، كما كانت دائمًا وستبقى قدرتها على الاستمرار مرتبطة بمدى صدقها في ترجمة هذا الشعار إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إن فلسطين، التي علمتنا أن الكرامة لا تُجزأ، تستحق منا أكثر من الكلمات تستحق عملًا دؤوبًا والتزامًا حقيقيًا وإيمانًا لا يتزعزع بأن هذا الشعب الذي لم ينكسر، قادر على أن يبني وأن ينهض وأن يفرض حضوره في كل الميادين.







