حين تتحول الرياضة إلى وطن… جبريل الرجوب وصناعة الحضور الفلسطيني في العالم
في المشهد الفلسطيني المعقّد، حيث تتداخل السياسة بالوجدان وتتشابك الجغرافيا مع الذاكرة، يبرز الأخ جبريل الرجوب كأحد أكثر الشخصيات التي استطاعت أن تنقل الفعل الوطني من ساحته التقليدية إلى فضاءات أوسع وأكثر هدوءًا وأعمق أثرًا، انه فضاء الرياضة والشباب.
لم تكن الرياضة في الحالة الفلسطينية مجرد نشاط تنافسي أو ترفيهي فقط بل تحوّلت تدريجيًا إلى مشروع وطني متكامل، أعاد رسم صورة فلسطين في وعي العالم، ليس عبر الخطاب السياسي المباشر فقط بل عبر صورة لاعب يركض تحت علم فلسطين ومنتخب يقف بثبات رغم القيود وشباب يحملون اسم وطنهم إلى الملاعب الدولية بثقة وإصرار.
في هذا التحول الكبير برز الرجوب كمن أدرك مبكرًا أن القوة لا تُختصر في السياسة الصلبة فقط، بل تمتد أيضًا إلى القوة الناعمة القادرة على الوصول إلى العالم بطرق مختلفة. فمن خلال موقعه في قيادة الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ورئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، أعاد صياغة الرياضة بوصفها منصة وطنية وسفيرًا غير رسمي لفلسطين ورسالة مفتوحة إلى العالم بأن هذا الشعب حاضر رغم كل الظروف.
ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن التجربة الإنسانية والسياسية العميقة التي مرّ بها، إذ قضى جزءًا مهمًا من زهرة شبابه في سجون الاحتلال الإسرائيلي البغيض وهي تجربة تركت أثرًا عميقًا في وعيه وفي رؤيته لفكرة الانضباط والتنظيم ومعنى أن يتحول الألم إلى مشروع عمل. فهذه التجربة لم تكسره بل صاغت ملامح صلابته في مراحل لاحقة من العمل الوطني.
وفي سياق بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية حيث كان ولا زال له دور بارز في مراحل تأسيس البنية الأمنية الفلسطينية وهو ما انعكس لاحقًا على طريقته في العمل، حيث انتقل من مفهوم “العقيدة الأمنية التنظيمية” إلى “العقيدة الوطنية الناعمة” في المجال الرياضي، أي نقل فكرة الانضباط والالتزام من الحقل الأمني إلى حقل الشباب والرياضة ولكن بروح مختلفة وأدوات أكثر إنسانية واتساعًا.
ومن موقع التجربة والمسؤولية وبصفته من أوائل من أسسوا مفهوم العقيدة الأمنية الفلسطينية في سياق بناء المؤسسات، يمكن القول أن هذا التحول يعكس تطورًا مهمًا في أدوات الفعل الوطني، وانتقالًا من مرحلة الصلابة التنظيمية إلى مرحلة بناء الوعي والرمز والهوية عبر الرياضة.
فلقد نجح الرجوب في تحويل الرياضة الفلسطينية إلى قصة وطنية حقيقية وإلى مساحة لإعادة تعريف فلسطين في وعي العالم، حيث لم تعد فلسطين مجرد قضية سياسية فقط، بل أصبحت أيضًا حكاية شعب يعيش ويبدع ويقاوم ويُصر على الوجود في كل منصة ممكنة.
وهنا، لا يمكن فصل هذا الجهد عن الإطار الوطني العام الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وبدعم واضح من القيادة الفلسطينية التي يقودها الرئيس محمود عباس، حيث تُعد الرياضة اليوم أحد أوجه الحضور الفلسطيني في العالم وأحد أدوات تثبيت الرواية الوطنية في المحافل الدولية.
وفي هذا السياق، تأتي مشاركته اليوم في كونغرس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في كندا رغم كل المعيقات كامتداد طبيعي لمسار طويل من العمل الهادئ والممنهج داخل المؤسسات الرياضية الدولية دفاعًا عن حق فلسطين في التمثيل وعن علمها في الرفع وعن اسمها في الحضور وعن شبابها في الظهور.
هذه المشاركة ليست بروتوكولًا عابرًا بل رسالة واضحة بأن فلسطين لا تغيب وأن صوتها حاضر حتى في أكثر الساحات تعقيدًا وأن الرياضة باتت إحدى أهم بواباتها إلى العالم.
وفي الوجدان الفلسطيني، لهذا الرجل مكانة تقدير ومحبة، باعتباره جزءًا من تجربة وطنية حاولت ولا زالت تعمل على أن تفتح نوافذ جديدة للأمل. ونحن نقولها بوضوح: نحب هذا الرجل ونقدّر جهده عاليًا ونرى فيه شريكًا في صناعة هذا المسار الوطني.
لكننا، في الوقت نفسه نطلب منه أن يبقى معنا في هذا الطريق وأن يستمر بهذا العطاء وأن يواصل هذا المشروع الكبير، لأن فلسطين لم تُنجز بعد ولأن الحلم ما زال في منتصف الطريق.
نريده أن يبقى حاضرًا بهذا الإصرار وبهذا الإيمان وبهذا الفعل، حتى نصل جميعًا إلى لحظة الدولة والحرية والسلام وحتى نرى علم فلسطين مرفوعًا ليس فقط في الملاعب، بل فوق كل تفاصيل الحياة وحتى نحقق الحلم الأكبر: أن يكون لنا وطن كامل ودولة كاملة وكرامة كاملة… تليق بهذا الشعب الذي لم يعرف الاستسلام يومًا.





