يشكّل المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح لحظة تاريخية فارقة، تتجاوز حدود التنظيم الداخلي لتلامس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. فهو ليس مجرد محطة دورية، بل اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تجديد ذاتها دون التفريط بجذورها، وعلى الموازنة بين الوفاء للماضي والانطلاق بثقة نحو المستقبل.
تدخل “فتح” هذا المؤتمر وهي تحمل إرثًا نضاليًا عظيمًا، صنعته تضحيات الشهداء وعزيمة المناضلين عبر عقود طويلة. لكن هذا الإرث، على ثقله وأهميته، لا يمكن أن يكون سببًا للجمود، بل يجب أن يكون دافعًا للتجديد. فالتجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع الماضي، ولا إقصاء كل ما هو قديم، بل يعني البناء على ما تحقق، وتطويره، وتصحيحه حيث يلزم. إنه انتقال واعٍ من جيل إلى جيل، تُنقل فيه الخبرة كما تُمنح الفرصة، ويُحترم فيه التاريخ دون أن يُكبّل الحاضر.
ومن هنا، فإن السعي لتجديد القيادة داخل المؤتمر الثامن يجب أن يُفهم كخطوة نحو تعزيز قوة الحركة، لا كعملية استبدال حاد أو إلغاء لتجارب سابقة. فالقيادات التي صنعت تاريخ “فتح” وأسهمت في ترسيخ حضورها السياسي والنضالي، تمثّل ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها، تمامًا كما أن الدماء الجديدة تمثّل ضرورة لضخ الحيوية ومواكبة تحولات المرحلة. المعادلة الصعبة، والتي ينتظرها الشارع الفلسطيني، هي تحقيق هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والتجديد.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الهدف الأسمى: أن تبقى “فتح” القوة القائدة التي تدفع بعجلة النضال نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. هذا الدور التاريخي يتطلب وضوحًا في الرؤية، وجرأة في القرار، ووحدة في الصف، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الصراعات الداخلية التي قد تُضعف من زخم الحركة.
ولا يكتمل مشهد المؤتمر دون استحضار قوافل الشهداء من القادة الذين سقطوا على درب الحرية. هؤلاء لم يكونوا مجرد رموز تُستذكر في المناسبات، بل كانوا بوصلة أخلاقية ونضالية ترشد المسار. إن الوفاء لهم لا يكون فقط باستذكار أسمائهم، بل بالتمسك بالمبادئ التي ضحّوا من أجلها، وفي مقدمتها وحدة الصف الوطني، والإيمان بعدالة القضية، والإصرار على انتزاع الحقوق.
كما أن أعضاء اللجنة المركزية عبر مختلف المراحل شكّلوا عمودًا فقريًا في إدارة العمل الوطني، وأسهموا في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الوعي العربي والدولي. وتجربتهم، بما فيها من نجاحات وتحديات، تمثّل مادة غنية يجب الاستفادة منها، لا تجاوزها أو التقليل من شأنها.
إن المؤتمر الثامن يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية: إما أن ينجح في إعادة صياغة دور “فتح” كحركة تحرر وطني متجددة وقادرة على القيادة، أو أن يكرّس حالة التردد التي لا تحتملها المرحلة. المطلوب ليس فقط تغيير أسماء، بل إنتاج رؤية، وتعزيز ثقة، وبناء شراكة داخلية تُعيد للحركة مكانتها الطبيعية في قيادة المشروع الوطني.
في النهاية، تبقى “فتح” أكبر من الأفراد، وأعمق من اللحظة الراهنة. هي مسيرة ممتدة من التضحيات والعطاء، عنوانها الوفاء، وروحها التجديد. وإذا ما نجح المؤتمر الثامن في ترسيخ هذه المعادلة، فإنه سيكون بحق نقطة انطلاق جديدة نحو الحرية والاستقلال، وإحياء الحلم الذي لم يغادر وجدان الشعب الفلسطيني







