اكاديمية وباحثة
—————————
في الطريق إلى المؤتمر الثامن لحركة فتح، تتقدم الأسئلة بهدوء أكثر من الشعارات، وتطلّ المسؤولية بوجهها الأعمق من أي حسابات آنية. إنها لحظة تستدعي التأمل في المسار، لا لمراجعته بحدة، بل لقراءته بإنصاف، واستحضار كل الأيادي التي حملت هذه الحركة على امتداد سنواتها، قديمها وحديثها، جيلاً بعد جيل.
لقد كانت فتح منذ انطلاقتها فكرة أكبر من إطار، ورسالة تتجاوز التعريفات التنظيمية الضيقة. حملتها القلوب قبل الهياكل، وصاغتها التضحيات قبل النصوص، فصارت جزءاً من الوعي الوطني وذاكرة المكان والناس.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند أولئك الذين سبقونا في مسيرة البناء، من قادةٍ وأعضاءٍ ومؤسسين، أولئك الذين منحوا الحركة وقتهم وجهدهم وأعمارهم، فصاغوا حضورها في الميدان وفي الوجدان. لهم التقدير والاعتزاز، فهم جزء أصيل من الحكاية، وركن من أركان الاستمرارية التي لا يمكن إنكارها أو تجاوزها. إن الوفاء لتجربتهم هو في الحفاظ على ما أرسوه من قيم، لا في القطيعة مع ما قدموه.
ومع هذا الامتداد التاريخي، يظل السؤال الأهم مطروحاً بهدوء:
كيف نواصل المسير بما يليق بروح الفكرة الأولى؟
وكيف نحافظ على حضور قريب من الناس، يلمس احتياجاتهم ويستجيب لتطلعاتهم، دون أن نفقد البوصلة التي انطلقت منها الحركة؟
إن تجديد الحركة ليس نفياً للماضي، بل امتداداً له بروح جديدة، توازن بين الخبرة المتراكمة والطموح المتجدد، وبين الوفاء للتاريخ والاستجابة لمتطلبات الحاضر. فالموقع في أي مرحلة هو مسؤولية قبل أن يكون أي شيء آخر، والمسؤولية تُقاس بقدر ما يُنجز من أثر حقيقي في حياة الناس.
وفي السياق الوطني الأوسع، يبقى “حلم الدولة الفلسطينية” جامعاً لكل الجهود، ولا يمكن أن يكتمل إلا “بوحدة موقف”، وتلاقي إرادات، وإيمان عميق بأن الشراكة قوة وليست عبئاً. فالتحديات التي نواجهها تحتاج إلى مساحة مشتركة تتسع للجميع، وتستند إلى هدف واحد لا يتجزأ.
أما إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، فهي ضرورة وطنية ملحّة، هدفها:
تعزيز القدرة على الصمود، وتوسيع مساحة التفاهم، وتثبيت خطاب جامع يعلي من شأن (الهوية الوطنية) ويصونها.
إخوتي المتوجهين إلى المؤتمر:
إن القيمة الحقيقية لأي محطة تنظيمية تكمن في قدرتها على (استحضار التجربة) بكل ما فيها من عطاء، وفي الوقت ذاته فتح الباب أمام المستقبل بثقة واتزان. ففتح التي نعرفها، بقيت حية لأنها جمعت بين الوفاء للأصل والانفتاح على التجدد.
احملوا معكم (تقديركم لكل من سبق)، وامضوا بالفكرة إلى ما هو أرحب، لتبقى فتح كما أرادها مؤسسوها: مساحة جامعة، وروحاً وطنية نابضة، ومسؤولية لا تنطفيء.






