منظومة التربية والتعليم في قطاع غزة بعد حرب 2023: دراسة سوسيولوجية في تفكك البنية وإعادة تشكّل المعنى

بقلم: د. صالح الشقباوي

أستاذ محاضر في علم الاجتماع والفلسفة

مقدمة

شكّلت حرب عام 2023 في قطاع غزة، والتي ارتبطت بحدث طوفان الأقصى، نقطة تحوّل بنيوية في مختلف الحقول الاجتماعية، وعلى رأسها منظومة التربية والتعليم. إذ لم يعد التعليم مجرد وظيفة مؤسساتية لنقل المعرفة، بل تحوّل إلى ساحة صراع على الوجود، وإلى أداة لإعادة إنتاج الهوية في ظل الانهيار المادي والرمزي.
أولاً: الإطار النظري
تنطلق هذه الدراسة من ثلاث مقاربات سوسيولوجية متكاملة:
المقاربة البنيوية الوظيفية:
التي ترى أن التعليم يشكّل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي. غير أن ما حدث في غزة يعكس انهيار هذه الوظيفة، حيث تعطلت المدرسة كمؤسسة ضابطة ومنظمة للحياة الاجتماعية.
مقاربة الصراع (Conflict Theory):
حيث يمكن قراءة تدمير المؤسسات التعليمية كجزء من صراع على الوعي والذاكرة والهوية، وليس فقط على الجغرافيا.
سوسيولوجيا الصدمة (Trauma Sociology):
والتي تفسر كيف يتحول التعليم في سياق الكوارث إلى آلية للتكيّف النفسي وإعادة بناء الذات الجمعية.
ثانياً: البنية الكمية للتعليم في غزة
تشير المعطيات إلى:
ما بين 650,000 إلى 700,000 طالب في سن التعليم المدرسي.
حوالي 300,000 طالب فقط تمكنوا من الالتحاق بمساحات تعليم مؤقتة.
أكثر من 88,000 طالب جامعي تأثروا بشكل مباشر بانقطاع التعليم.
ما يزيد عن 22,000 معلم يعملون أو يعيشون في ظروف حرجة.
أما على مستوى المؤسسات:
تضرر نحو 95% من المدارس.
تدمير واسع للبنية الجامعية، مع خروج عدد كبير من الجامعات عن الخدمة.
ثالثاً: تفكك المؤسسة التعليمية
لم يعد التعليم في غزة يتم داخل المدرسة التقليدية، بل انتقل إلى:
ملاجئ النزوح
الخيام
مساحات التعلم المؤقتة
منصات التعليم الرقمي المحدودة
وهنا يحدث تحول سوسيولوجي عميق:
من “التعليم المؤسسي” إلى “التعليم الطارئ”، ومن “النظام” إلى “الاستثناء”.
رابعاً: تحولات دور المعلم
لم يعد المعلم ناقلاً للمعرفة فقط، بل أصبح:
داعماً نفسياً
فاعلاً اجتماعياً داخل مجتمع منكوب
حارساً للذاكرة الوطنية
وبهذا المعنى، يتحول المعلم إلى “فاعل مقاوم” يحافظ على استمرارية الوعي الجمعي.
خامساً: التعليم كأداة لإعادة إنتاج الهوية
في ظل الدمار، يصبح التعليم:
أداة للحفاظ على الهوية الوطنية
وسيلة لمقاومة الطمس الثقافي
فضاء لإعادة تعريف الذات الفلسطينية في مواجهة محاولات التفكيك
وهنا يتجاوز التعليم وظيفته المعرفية ليصبح فعلاً وجودياً.
سادساً: دور اليونسكو والأونروا
تقوم اليونسكو بدور تقني واستشاري في تقييم الأضرار ودعم التعليم الرقمي.
بينما تضطلع الأونروا بدور تنفيذي مباشر في إدارة المدارس وتوفير التعليم للاجئين.
لكن التحدي الأساسي يبقى في:
نقص التمويل
غياب الاستقرار
صعوبة إعادة الإعمار في بيئة غير آمنة
سابعاً: مستقبل التعليم في غزة – بين الانهيار وإعادة التشكّل
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
سيناريو الانهيار الممتد:
استمرار تعطّل التعليم وظهور “جيل مفقود”.
سيناريو التكيّف المرن:
تطور نماذج تعليمية بديلة (رقمية ومجتمعية).
سيناريو إعادة البناء التحويلي:
إعادة بناء منظومة تعليمية أكثر حداثة ومرونة، تجمع بين التكنولوجيا والهوية الوطنية.
خاتمة
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة تعليم، بل هو تحول سوسيولوجي عميق في معنى التعليم ذاته. فالتعليم هنا لم يعد رفاهية أو خدمة، بل أصبح شكلاً من أشكال الصمود الوجودي.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن معركة غزة ليست فقط على الأرض، بل هي أيضاً معركة على العقل والذاكرة والمعنى. وإذا كان الدمار قد طال الحجر، فإن بقاء التعليم—even في أبسط صوره—يعني أن المجتمع الفلسطيني ما زال قادراً على إعادة إنتاج ذاته، وعلى كتابة مستقبله رغم كل شيء.