لم أصدق لم أصدق لم أصدق، ليس لأن المشهد كان مفاجئًا بل لأن الصدق فيه كان أكبر من قدرة الكلمات على الوصف، ولأن بعض اللحظات لا تمر كخبر سياسي عابر بل تدخل الذاكرة الفلسطينية كأنها جزء من تاريخ طويل من الكرامة والمواقف التي لا تُشترى ولا تُباع.
في كندا وخلال اجتماع كونغرس الفيفا حيث تجتمع الرياضة بالسياسة تحت سقف البروتوكول الدولي وحيث تُصاغ الكلمات بحذر شديد كي لا تُزعج أحدًا، كان كل شيء يبدو طبيعيًا في ظاهره: وفود دولية وكاميرات واجتماعات ومصافحات ووجوه اعتادت أن تُخفي التوتر خلف الابتسامات الرسمية.
لكن فلسطين لا تدخل أي مكان كضيف عادي، لأن فلسطين حين تحضر يحضر معها التاريخ والوجع والهوية والكوفية والذاكرة، ويحضر معها شعب لا يزال يقاتل كي يبقى واقفًا في هذا العالم القاسي.
وحين طلب رئيس الفيفا المصافحة بين جبريل الرجوب ونظيره الإسرائيلي تحولت اللحظة كلها إلى امتحان أخلاقي وسياسي عميق، لأن الأمر لم يكن مجرد حركة بروتوكولية عابرة بل كان سؤالًا كبيرًا عن معنى أن تكون فلسطينيًا أمام العالم كله دون أن تتنازل عن روايتك أو كرامتك أو حق شعبك.
وهنا وقف جبريل الرجوب كما يجب أن يقف أبناء فتح الحقيقيون بثبات الواثق من نفسه ومن قضيته، وكانت الكوفية الفلسطينية على كتفيه واضحة كأنها علم كامل لا مجرد رمز، وكأنها تقول للعالم إن هذا الرجل لا يمثل نفسه فقط بل يحمل فوق كتفيه ذاكرة شعب بأكمله.
رفض المصافحة لم يكن انفعالًا ولا استعراضًا إعلاميًا بل كان موقفًا سياسيًا واضحًا ومدروسًا يعبّر عن وجدان الشعب الفلسطيني وعن حقيقة أن العلاقة مع الاحتلال لا يمكن أن تتحول إلى مشهد طبيعي بينما الدم الفلسطيني لا يزال حاضرًا والحقوق الفلسطينية لا تزال تُواجه بالإنكار والقهر والعنصرية.
كان جبريل الرجوب في تلك اللحظة أكبر من مجرد مسؤول رياضي أو شخصية سياسية، كان ابن جبل الخليل بكل كبريائه وابن حركة فتح التي تعلّمت أن السياسة ليست فقط كلمات تُقال في القاعات بل مواقف تُصنع في اللحظات الصعبة، وكان أيضًا واحدًا من الرجال الذين يحملون نهج الرئيس محمود عباس في الدفاع عن الشرعية الفلسطينية وعن الحضور السياسي الفلسطيني في العالم دون التنازل عن الثوابت الوطنية.
هذا هو الفرق بين من يذهب إلى العالم كي يلتقط الصور وبين من يذهب إليه وهو يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.
جبريل الرجوب لم يرفض شخصًا بل رفض فكرة تحويل المأساة الفلسطينية إلى تفصيل بروتوكولي يمكن تجاوزه بمصافحة أمام الكاميرات، ورفض أن يُختزل الفلسطيني إلى مجرد مشارك صامت في مشهد دولي يتجاهل أصل القضية وجوهرها الحقيقي.
ورغم ذلك فإن الموقف لم يكن ضد السلام كما سيحاول البعض أن يصوره، لأن الفلسطيني الحقيقي لا يكره السلام بل يبحث عنه أكثر من أي شعب آخر، لكنه سلام قائم على العدالة والكرامة والاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية، لا سلام العلاقات العامة الذي يطلب من الضحية أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
في تلك اللحظة داخل كونغرس الفيفا في كندا لم تكن الكوفية على كتفي جبريل الرجوب مجرد قطعة قماش بل كانت بيانًا سياسيًا كاملًا، وكانت فلسطين كلها حاضرة في المشهد من القدس إلى غزة ومن الخليل إلى المخيمات، وكأن شعبًا كاملًا كان يقف خلف ذلك الموقف بصمته وغضبه وصبره الطويل.
هؤلاء هم أبناء فتح الحقيقيون، هؤلاء هم الرجال الذين بقوا أوفياء لفكرة الوطن حين تعب كثيرون، وهؤلاء هم إخوة الرئيس محمود عباس في حمل المشروع الوطني الفلسطيني والدفاع عنه في أصعب الظروف وأعقد المحافل الدولية.
لقد أثبت جبريل الرجوب في تلك اللحظة أن الموقف الصادق قد يكون أبلغ من ألف خطاب، وأن الكوفية حين تبقى وفية لمعناها تصبح أقوى من كل البروتوكولات، وأن فلسطين مهما حاول البعض تهميشها أو تجاوزها تبقى قادرة على فرض حضورها وهيبتها في قلب العالم.
ولهذا لم يكن ما جرى مجرد تفصيل عابر في اجتماع دولي بل كان رسالة واضحة تقول إن الفلسطيني قد يذهب إلى كل المنابر الدولية لكنه لا يذهب إليها بلا ذاكرة ولا بلا كرامة ولا بلا قضية.
وهكذا ارتفعت فلسطين في كندا لا بالصوت العالي بل بالموقف، ولا بالشعارات بل بالكبرياء الوطني الذي يعرف متى يصمت ومتى يرفض ومتى يجعل العالم كله يفهم أن الكوفية الفلسطينية لا تزال حتى هذه اللحظة ترفض أن تُصافح الباطل.






