بين نبوءة الخراب ووهم الخلاص: قراءة ثيولوجية-سوسيولوجية في فكرة “إسرائيل الكبرى”

بقلم: د. صالح الشقباوي

في لحظات التوتر التاريخي الكبرى، تميل الشعوب إلى استدعاء النصوص المقدسة لا بوصفها مرجعاً روحياً فحسب، بل كخريطة طريق للواقع. وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية: حين تتحول الثيولوجيا إلى أداة سياسية، ويتحول المقدس إلى مشروع جيوسياسي.
في التوراة، كما في غيرها من النصوص الدينية، نجد سرديات عن الحروب، والانهيارات، والعقاب الإلهي. لكنها في أصلها نصوص ذات طابع أخلاقي-رمزي، تعكس صراع الإنسان مع الخطيئة، ومعنى العدالة الإلهية. غير أن هذه النصوص، حين تُقتطع من سياقها التاريخي والروحي، تتحول إلى خطاب تعبوي يمكن أن يُستخدم لتبرير الصراع، بل وإضفاء قداسة عليه.
من هنا، يظهر ما يمكن تسميته بـ”التأويل السياسي للمقدس”، حيث تُعاد صياغة النبوءة لتخدم مشروعاً دنيوياً. وفي هذا السياق، تُطرح فكرة “إسرائيل الكبرى” كامتداد لقراءة دينية-قومية، تتجاوز حدود الدولة الحديثة نحو تصور ميثولوجي للأرض والتاريخ.
لكن السؤال الجوهري: ماذا يحدث عندما يتحقق المشروع على أنقاض الدمار؟
سوسيولوجياً، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يستمر إذا قام على الخراب الشامل. الدولة ليست فقط حدوداً، بل شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية، والمؤسسات، والاقتصاد، والشرعية. وإذا تم تدمير المجال الحيوي الذي يُفترض أن تحتضنه “الدولة الكبرى”، فإن المشروع يتحول إلى فراغ جغرافي بلا مضمون إنساني.
أما أنثروبولوجياً، فإن فكرة “الأرض الموعودة” ليست مجرد جغرافيا، بل هي بنية رمزية تُشكل هوية الجماعة. لكن هذه الهوية، حين تُبنى على الإقصاء أو الإلغاء، تدخل في صراع دائم مع “الآخر”، مما يجعلها هوية قلقة، غير مستقرة، ومهددة بالانهيار من الداخل.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة سياسات بنيامين نتنياهو ليس فقط كاستراتيجية أمنية، بل كجزء من خطاب أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريف الدولة الإسرائيلية ضمن تصور أكثر اتساعاً، وأقل قابلية للتعايش. غير أن هذا الخطاب يحمل في داخله تناقضاً بنيوياً: فهو يفترض إمكانية تحقيق الأمن عبر التوسع، في حين أن التوسع نفسه يولد مزيداً من عدم الاستقرار.
ثيولوجياً، ثمة مفارقة عميقة: فالنصوص التي تتحدث عن الخراب، لا تحتفي به، بل تحذر منه. هي ليست دعوة إلى إشعال العالم، بل إنذار أخلاقي حول عواقب الظلم والطغيان. وبالتالي، فإن تحويلها إلى برنامج سياسي هو، في جوهره، قلبٌ لمعناها.
إن فكرة “إسرائيل الكبرى”، إذا ما ارتبطت بمنطق التدمير، تفقد مضمونها حتى من منظورها الخاص. لأن الأرض، في بعدها الديني والإنساني، لا تُورث بالخراب، بل تُبنى بالعدل. وأي مشروع لا ينتج حياة، بل ينتج موتاً، هو مشروع يحمل بذور فنائه في داخله.
في النهاية، لا يمكن فهم الصراع إلا بوصفه صراعاً على المعنى، بقدر ما هو صراع على المكان. وبين النص والتأويل، بين المقدس والسياسي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للإنسان أن يحرر إيمانه من سطوة القوة، أم سيبقى أسير قراءة تجعل من الخراب طريقاً إلى الخلاص؟