إبادة الحقيقة: حين يتحول الصحفي إلى هدف مباشر في حرب طمس الرواية

بن معمر الحاج عيسى

في الثالث من مايو من كل عام، يقف العالم – نظريًا – عند قيمة حرية الصحافة باعتبارها أحد أعمدة المجتمعات الديمقراطية، وضمانة أساسية لحق الإنسان في المعرفة. غير أن هذا التوقف الرمزي يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى طقس بروتوكولي منه إلى مراجعة حقيقية للواقع. ففي أماكن عديدة من العالم، لا سيما في فلسطين، لا تُقاس حرية الصحافة بمدى تنوع الآراء أو تعدد المنابر، بل بعدد الصحفيين الذين سقطوا وهم يحاولون نقل الحقيقة، وبحجم الصمت الذي يحيط بجرائم استهدافهم. هنا، لا يكون الصحفي مجرد ناقل للحدث، بل يتحول إلى هدف مباشر في معركة لا تستهدف الإنسان فقط، بل تستهدف الوعي ذاته.
لقد كشفت الوثيقة الحقوقية الصادرة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2026 عن صورة صادمة، تتجاوز حدود الانتهاكات الفردية لتلامس بنية ممنهجة من الاستهداف. فخلال نحو ثلاثة أعوام من التصعيد، قُتل أكثر من 260 صحفيًا وصحفية، في رقم لا يمكن تفسيره باعتباره “أضرارًا جانبية” في سياق العمليات العسكرية، بل يعكس نمطًا متكررًا من الاستهداف المباشر للشهود على الأحداث. إن هذا الرقم، بكل ثقله، لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس واقعًا تتحول فيه الكاميرا إلى خطر، والصوت إلى تهمة، والحقيقة إلى عبء يجب التخلص منه.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة تعريف ما يجري. فحين يُقتل الصحفي بسبب عمله، وحين يُستهدف أثناء التغطية، أو يُقصف مقره الإعلامي، فإننا لا نكون أمام حادث عرضي، بل أمام جريمة تحمل أبعادًا أعمق. إنها محاولة لطمس الرواية، وفرض سردية أحادية، تُقصي كل ما يخالفها. الصحفي هنا لا يُقتل لأنه في المكان الخطأ، بل لأنه في المكان الصحيح، ينقل ما لا يُراد له أن يُنقل.
غير أن القتل ليس سوى أحد أوجه هذه المنظومة. فالاعتقال التعسفي يشكل امتدادًا طبيعيًا لسياسة إسكات الصوت. تشير الوثيقة إلى اعتقال أكثر من 240 صحفيًا وصحفية، لا يزال العشرات منهم رهن الاحتجاز، بعضهم دون تهم واضحة، وآخرون بموجب ما يُعرف بالاعتقال الإداري، القائم على “ملفات سرية” لا يُسمح للمعتقل أو محاميه بالاطلاع عليها. هذا الشكل من الاعتقال يقوض أبسط معايير العدالة، ويحول القانون من أداة حماية إلى وسيلة قمع. إنه لا يستهدف الفعل بقدر ما يستهدف النية، ولا يُعاقب على جريمة محددة، بل على احتمال التعبير.
الأخطر من ذلك هو أن الاعتقال لا يُستخدم فقط كوسيلة عقابية، بل كأداة ردع جماعي. فالرسالة التي تُرسل إلى الوسط الإعلامي واضحة: كل من يقترب من الحقيقة قد يدفع الثمن. في ظل هذا الواقع، يجد الصحفي نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في العمل مع ما يحمله ذلك من مخاطر، أو الانسحاب تحت وطأة الخوف. وهنا، تتحقق الغاية الأساسية لهذه السياسة، وهي فرض الرقابة الذاتية دون الحاجة إلى رقابة مباشرة.
وإذا كان الاعتقال يضع الصحفي خلف القضبان، فإن الإخفاء القسري يضعه خارج الوجود القانوني والإنساني. تشير الوثيقة إلى حالات لصحفيين لا يزال مصيرهم مجهولًا، في انتهاك صارخ لكل القواعد القانونية الدولية. الإخفاء القسري لا يعني فقط حرمان الشخص من حريته، بل حرمانه من الاعتراف بوجوده، ومن حقه في الحماية. إنه شكل من أشكال المحو، حيث يُزال الشاهد دون أن يُترك أثر لغيابه.
داخل أماكن الاحتجاز، تتكشف صورة أخرى من الانتهاكات. شهادات متطابقة تتحدث عن منظومة تعذيب بنيوية، تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع الممنهج، والحرمان من العلاج، إلى جانب ممارسات الإذلال والتنكيل. هذه الظروف لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام، بل هي جزء من سياسة تهدف إلى كسر إرادة المعتقل، وتحويله من شاهد فاعل إلى ضحية منهكة. في هذا السياق، لا يكون السجن مجرد مكان للاحتجاز، بل فضاء لإعادة تشكيل الإنسان تحت الضغط.
وتتجلى خطورة هذه الممارسات في آثارها الممتدة حتى بعد الإفراج. فالكثير من الصحفيين الذين خرجوا من الاعتقال حملوا معهم آثارًا جسدية ونفسية عميقة، بعضها أدى إلى تدهور حاد في الحالة الصحية. هذه الشهادات لا تعكس فقط حجم المعاناة الفردية، بل تكشف عن طبيعة منهجية للانتهاكات، تجعل من السجن تجربة قاسية تتجاوز حدود الزمن.
وفي موازاة هذه الانتهاكات المباشرة، تتوسع دائرة التضييق لتشمل الفضاء العام والرقمي. فقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في استخدام تهم فضفاضة مثل “التحريض” لتقييد حرية التعبير، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي. هذه التهم، بطبيعتها غير المحددة، تتيح مجالًا واسعًا للتأويل، وتُستخدم لتجريم الآراء، لا الأفعال. وهنا، يتحول الفضاء الرقمي، الذي كان يُنظر إليه كمساحة بديلة للتعبير، إلى امتداد لسياسات القمع.
كما أن سياسات الإبعاد والحبس المنزلي تندرج ضمن هذه المنظومة، حيث يُمنع الصحفي من الوصول إلى أماكن التغطية، أو يُفرض عليه البقاء في نطاق جغرافي محدد، في تقييد مباشر لعمله. هذه الإجراءات، وإن بدت أقل حدة من الاعتقال، إلا أنها تؤدي وظيفة مشابهة، وهي تعطيل القدرة على نقل الحدث.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري حول دور القانون الدولي. فالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على حماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون، في أوقات النزاع. كما يكفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير. غير أن الفجوة بين النص والتطبيق تبدو واسعة، بل ومقلقة. فاستمرار الانتهاكات دون محاسبة يضعف من مصداقية هذه المنظومة، ويطرح تساؤلات حول فعاليتها.
إن توصيف هذه الانتهاكات لا يتوقف عند حدود الخروقات القانونية، بل قد يرقى، في بعض حالاته، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة حين تُرتكب في سياق هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين. استهداف الصحفيين، باعتبارهم شهودًا على هذه الجرائم، يضيف بعدًا آخر، حيث لا يقتصر الاعتداء على الإنسان، بل يمتد ليشمل الحقيقة ذاتها.
ومن هنا، يصبح الإفلات من العقاب العامل الأكثر خطورة في هذه المعادلة. فغياب المساءلة لا يعني فقط استمرار الانتهاكات، بل يشجع على تكرارها. حين لا يُحاسب من يستهدف الصحفيين، فإن الرسالة تكون واضحة: يمكن إسكات الحقيقة دون عواقب. هذا الواقع لا يهدد فقط الصحفيين في منطقة معينة، بل يخلق سابقة يمكن أن تتكرر في سياقات أخرى.
ورغم كل ذلك، يواصل الصحفي الفلسطيني عمله، في مشهد يجمع بين المهنية والشجاعة. يحمل كاميرته وسط الدمار، يكتب تحت القصف، وينقل الصورة رغم المخاطر. هذا الإصرار لا يمكن تفسيره فقط بالالتزام المهني، بل يعكس وعيًا عميقًا بأهمية الدور الذي يؤديه. فالصحفي، في هذا السياق، لا ينقل الحدث فحسب، بل يساهم في حفظ الذاكرة، وفي مواجهة محاولات الطمس.
إن استمرار العمل الصحفي في مثل هذه الظروف يمثل، في حد ذاته، فعل مقاومة. مقاومة لا تُقاس بالسلاح، بل بالكلمة والصورة. إنها مقاومة تسعى إلى تثبيت الرواية، وإلى ضمان أن ما يحدث لن يُمحى من الذاكرة الجماعية. وفي هذا، تكمن أهمية الصحافة، ليس فقط كوسيلة إعلام، بل كأداة توثيق.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يكفي استحضار المبادئ، بل يجب مواجهة الواقع. فحرية الصحافة ليست مجرد شعار يُرفع، بل منظومة تحتاج إلى حماية فعلية. هذه الحماية لا تقتصر على النصوص القانونية، بل تتطلب إرادة سياسية، وآليات تنفيذ، ومحاسبة حقيقية.
إن المجتمع الدولي، بمؤسساته المختلفة، مطالب اليوم بأكثر من البيانات. فالإدانة، رغم أهميتها، لا تكفي إذا لم تُترجم إلى إجراءات. التحقيقات المستقلة، فرض العقوبات، دعم المؤسسات الإعلامية، توفير الحماية للصحفيين، كلها خطوات ضرورية، لكنها تحتاج إلى إرادة لتطبيقها.
كما أن دور المؤسسات الإعلامية العالمية لا يقل أهمية. فالتغطية المستمرة، وإبقاء القضية في دائرة الضوء، يساهمان في الحد من محاولات الطمس. الصمت الإعلامي، في مثل هذه الحالات، لا يكون حيادًا، بل قد يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر.
وفي النهاية، لا يمكن فصل مصير الصحافة عن مصير الحقيقة. وحين تُستهدف الحقيقة، فإن الخطر لا يقتصر على منطقة بعينها، بل يمتد ليطال الوعي الإنساني بأكمله. إن الدفاع عن الصحفيين هو، في جوهره، دفاع عن حق الإنسان في أن يعرف، وأن يرى، وأن يفهم.
إن ما يجري اليوم يفرض علينا إعادة طرح الأسئلة الأساسية: ما قيمة الحقيقة في عالم يمكن فيه إسكاتها بالقوة؟ وما جدوى القوانين إذا لم تُطبق؟ وكم من الصحفيين يجب أن يُقتلوا قبل أن تتحرك العدالة؟
بين الصمت والكلمة، تتحدد ملامح المستقبل. فإما أن يُترك المجال مفتوحًا أمام من يسعى إلى طمس الحقيقة، أو أن يُدافع عنها باعتبارها حقًا لا يمكن التنازل عنه. وفي هذا الاختيار، لا يكون الحياد ممكنًا.
في هذا اليوم، لا نحتفل، بل نُذكّر. لا نُشيد، بل نُسائل. لأن حرية الصحافة، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُدفع ثمنًا لها. وفي فلسطين، كما في أماكن أخرى من العالم، يبدو أن هذا الثمن لا يزال باهظًا، وأن الحقيقة، رغم كل شيء، لا تزال تقاوم.