رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
هناك شعوب تُروى في الأخبار، وشعوب تُستهلك في العناوين، ثم هناك الحالة الفلسطينية التي تقاوم حتى تعريفها. ليست هذه مجرد قضية سياسية طويلة الأمد، بل واقعٌ إنساني وسياسي يتصرف كأنه “نظام حيّ” يعيد تشغيل نفسه تحت أقصى درجات الضغط، دون أن يفقد قدرته على إنتاج المعنى أو الاستمرار.
ما يجعل هذا المشهد مختلفًا ليس كثافة الصراع، بل طبيعة الاستجابة له. فالصمود هنا لا يظهر كموقف عابر، بل كبنية متكاملة من الوعي، تمتد من التعليم إلى الإعلام إلى السياسة إلى الحياة اليومية. ومن هذا المنظور، تصبح القراءة التي قدّمها الزميل عمران الخطيب مدخلًا لفهم أعمق من السياسة نفسها؛ إذ يقترب من الصمود بوصفه سؤالًا وجوديًا: كيف يمكن لشعب أن يحوّل البقاء إلى “نظام تشغيل” كامل؟
في هذا السياق، يبرز عمران الخطيب بوصفه نموذجًا للكاتب الذي اشتبك مع القضية من داخلها، حيث لم تكن الكتابة لديه ممارسةً بل تجربة متداخلة مع الواقع بكل تعقيداته، بما في ذلك ما ارتبط بظلال التجربة القاسية والاعتقال والسجن، قبل أن تتحول الكلمة لديه إلى مساحة لإعادة تشكيل المعنى، وإعادة بناء الوعي من داخل الألم نفسه.
في هذا التصور، لا يعود الفعل الفلسطيني مجرد رد فعل على الاحتلال، بل ممارسة مستمرة لإعادة تعريف الذات تحت شروط غير مستقرة. حتى التجربة الشخصية، بما فيها ما ارتبط بالاعتقال والسجن، تتحول إلى جزء من إنتاج الوعي، لا مجرد حدث في السيرة.
لكن هذه المنظومة لا تعمل في فراغ. فمنذ النكبة، تشكّلت ذاكرة جماعية لم تُغلق أبوابها يومًا، بل ظلت في حالة تشغيل دائم، تُعيد إنتاج علاقتها بالمكان والتاريخ والهوية. ولهذا، فإن فكرة الهجرة — طوعًا أو قسرًا — لم تعد تُقرأ كخيار فردي، بل كاختبار وجودي لبنية كاملة ترفض الانفصال عن جذورها.
على الأرض، تظهر هذه البنية في تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها شديدة الدلالة: تعليم يستمر في ظروف استثنائية، امتحانات تُعقد في مناطق مدمّرة، وأطفال يتمسكون بالمعرفة كأنها شكل من أشكال النجاة اليومية. هذه ليست قصصًا إنسانية فقط، بل إشارات على استمرار “النظام” في العمل رغم كل محاولات تعطيله.
وفي موازاة ذلك، لعب الإعلام الفلسطيني دورًا يتجاوز التغطية إلى الحفظ. أسماء مثل شيرين أبو عاقلة، ووائل الدحدوح، وتامر المسحال، إلى جانب الكاتب الشهيد غسان كنفاني، وفادي البرغوثي، وغسان جابر، وغيرهم من الصحفيين والكتّاب، لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل جزءًا من معركة على الرواية نفسها — معركة ضد النسيان بقدر ما هي ضد التشويه.
وفي طبقة أخرى أقل ظهورًا لكنها شديدة التأثير، يمتد الحضور الفلسطيني إلى الجامعات والمختبرات ومراكز البحث في العالم، حيث يتحول كثير من العلماء والأطباء والمهندسين الفلسطينيين إلى امتداد آخر لهذه الهوية، لكن بلغة مختلفة: لغة المعرفة والإنتاج العلمي بدل لغة الجغرافيا.
ويبرز هنا أيضًا مصطفى البرغوثي بوصفه مثالًا على هذا التداخل بين الطب والسياسة والعمل العام، حيث لا ينفصل البعد الإنساني عن البعد السياسي في قراءة الواقع ومواجهته.
هذا التداخل بين الميدان والإعلام والعلم والسياسة لا يقدم صورة عاطفية، بل يفرض قراءة أكثر قسوة ووضوحًا: نحن أمام حالة لا يمكن اختزالها في توصيفات تقليدية للصراع، بل أمام بنية وجودية تعمل كمنظومة مقاومة مستمرة، تُنتج الوعي بقدر ما تتعرض للضغط.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه في أي قراءة:
هل نحن أمام صمود استثنائي في ظرف استثنائي، أم أمام نموذج وجودي لشعب طوّر عبر الزمن “نظام تشغيل” كاملًا للبقاء، يجعل من الانقطاع نفسه أمرًا غير ممكن؟







