في ظل واقع يزداد قسوة وتعقيدًا، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يحدث؟ بل: لماذا نستمر في التعامل مع ما يحدث بالعقلية ذاتها التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تراجع وتراكم للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ فالتاريخ لا يرحم من يصرّ على تكرار الأخطاء، ولا الواقع ينتظر من يراهن على المجهول.
منذ نشأة المشروع الصهيوني، لم تكن المسألة مجرد صراع عابر، بل مشروع طويل النفس، واضح الأهداف، تراكمي الأدوات. وعلى امتداد العقود، مرّت القضية الفلسطينية بمنعطفات حادة: تهجير واقتلاع، حروب ونكسات، انتفاضات وتضحيات جسام. وفي كل محطة، أثبت الشعب الفلسطيني أنه يمتلك من الإرادة والقدرة ما يفوق الحسابات التقليدية، حتى غدت قضيته رمزًا عالميًا للحرية والعدالة.
لكن في مقابل هذه التضحيات، برز خلل واضح في إدارة المواجهة مع الاحتلال. فبعد الانتفاضة الأولى، وبدل البناء على زخمها الشعبي والسياسي وتعزيز الوحدة الوطنية، جرى التوجه نحو مسار تسوية لم يستند إلى توازن حقيقي في القوة. رُفعت سقوف التوقعات، بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه معاكس: توسع استيطاني، استمرار الاعتقالات، وتآكل فعلي في الأرض والحقوق. لم يكن اتفاق أوسلو مجرد محطة سياسية، بل تحوّل إلى بنية كاملة أعادت تشكيل الواقع الداخلي، خلق شرخ في وحدة القرار الفلسطيني ، وكرّست في كثير من الأحيان وهم الدولة والسيادة، في ظل انفصال متزايد عن الواقع وغياب للرؤية. وفي المقابل، لم يتغير جوهر السياسة الإسرائيلية، التي حافظت – رغم اختلاف حكوماتها – على هدف استراتيجي ثابت يقوم على السيطرة والتوسع، مستندة إلى تخطيط طويل الأمد ودعم دولي وازن، في مقدمته الولايات المتحدة، وفي محطات عديدة دعم أوروبي متواطئ بشكل مباشر أو غير مباشر.في المقابل، غرق الخطاب السياسي الفلسطيني في المبالغة والإنجازات الشكلية، بينما كانت الحقائق الميدانية تتدهور. وبعد الانتفاضة الثانية، تعمق الاختلال أكثر: جدار فصل، حواجز، تقطيع جغرافي، وتحويل الضفة إلى مناطق معزولة. ومع ذلك، بقيت المقاربة السياسية تدور في فلك المطالبة بالعودة إلى شروط لم تعد قائمة، دون تقديم استراتيجية بديلة.
الأزمة لم تكن فقط في الخيارات السياسية، بل في بنية التفكير ذاتها: انتظار المبادرة من الطرف الآخر، الاكتفاء بردود فعل لفظية، وغياب تعبئة حقيقية للطاقات الداخلية. تراجع أفق تحقيق الوحدة الوطنية، وتعزز الانقسام، حتى أصبح واقعًا قائمًا بين غزة والضفة، يستهلك الجهد ويستنزف الإمكانات.
وفي قلب هذا المشهد، جاءت حرب غزة الأخيرة لتكشف حجم الكارثة الإنسانية والسياسية معًا. ما جرى لم يكن مجرد جولة عسكرية، بل تجسيد فعلي للمشروع الصهيوني ومستوى غير مسبوق من التدمير الواسع، وتهجير قسري طال مئات الآلاف، في ظل انهيار كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية. هذا الواقع أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة، وحدود الأدوات القائمة، وضرورة امتلاك رؤية قادرة على حماية الإنسان الفلسطيني قبل أي اعتبار آخر، وتعزيز صموده في مواجهة سياسات الاقتلاع والتفريغ.
أما على الصعيد الدولي، فقد كشفت التحولات الكبرى حدود الرهان على الوسيط الخارجي، وخاصة الأمريكي، دون أن يقابل ذلك مراجعة جادة في الاستراتيجية. بل استمر التعاطي مع نفس الأطراف، وبالأدوات ذاتها، وكأن موازين القوى لم تتغير، وكأن التجربة لم تقدّم دروسها القاسية.
وفي سياق متصل، برزت إشكالية الاستجابة المتكررة – وأحيانًا المجانية – لضغوط أمريكية وأوروبية تحت مسمى “الإصلاحات”. بدأت هذه الاستجابات من قضايا حساسة تمس جوهر النضال الوطني، مثل ملفات الأسرى والشهداء والجرحى، مرورًا بتعديلات وإجراءات قُدّمت بوصفها استحقاقات تنظيمية، لكنها أثارت جدلًا واسعًا حول تأثيرها على التعددية السياسية وتركيبة النظام السياسي. ومن بين ذلك إصدار قرارات بقانون تتعلق بالانتخابات، وتشكيل مجلس وطني وفق رؤى( الفك والتركيب) دون ان تكون مشروع حقيقيا لاعادة الاعتبار لمنظمة التحرير ومؤسساتها وتحقيق الاجماع الوطني الشامل، إلى جانب طرح مشروع دستور مؤقت في ظل غياب دولة ذات سيادة. هذه المسارات، في ظل غياب توافق وطني حقيقي، تطرح تساؤلات جدية حول اتجاه النظام السياسي، وحدود تمثيله، ومدى انسجامه مع أولويات المرحلة.
كل ذلك يأتي مع تراكم مشكلات أخرى: ترهل إداري، ضعف مؤسساتي، وتراجع ملحوظ في دور الأطر الجامعة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب تهميش قطاعات أساسية كالمهجر والشتات. ومع الضغوط الاقتصادية وقيود الحياة اليومية، انشغل المواطن بتأمين أساسيات العيش، ما أضعف الثقة العامة وأدى إلى حالة من الاغتراب بين المجتمع والقيادة السياسية.
الأخطر من ذلك هو التحول التدريجي نحو التكيف مع الواقع بدل تغييره. حين تصبح الاستجابة للضغط نهجًا دائمًا، فإن سقف المطالب ينخفض تلقائيًا، ويتحول التنازل إلى قاعدة، لا استثناء. وفي السياسة، من يعطي دون مقابل، يُطلب منه المزيد دائمًا، خصوصًا في غياب أوراق قوة داخلية أو استراتيجية واضحة.
ما يجري اليوم ليس مجرد سلسلة من الإخفاقات، بل مؤشر على أزمة أعمق: غياب رؤية وطنية موحدة، وافتقار إلى مراجعة حقيقية تعيد تعريف الأولويات والأدوات. فالمشكلة ليست في قلة الخيارات، بل في الإصرار على تجاهلها أو تأجيلها.
التاريخ الفلسطيني مليء بالدروس، لكنه لا يمنحها لمن يكتفي بقراءتها دون أن يستوعبها. فلا يمكن مواجهة مشروع منظم بعقلية مشتتة أو فردية، ولا مقاومة واقع متغير بأدوات ثابتة. كما أن الرهان على تغير مجهول دون تغيير الذات، هو أقرب إلى الوهم منه إلى السياسة.
ما تبقى ليس قليلًا، لكنه يتطلب وضوحًا وشجاعة: إعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس حقيقية، تفعيل المؤسسات الجامعة وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، استثمار الطاقات الداخلية، وتعزيز الصمود بأدوات عملية، والاقتراب من هموم الناس لا الاكتفاء بتمثيلها شكليًا. كما يتطلب الانفتاح على العالم من موقع الفعل لا التبعية، وبناء شبكة علاقات تستند إلى المصالح المتبادلة لا إلى الانتظار.
السؤال لم يعد: هل نستطيع؟ بل: هل نريد أن نغيّر الطريقة التي نفكر بها وندير بها صراعنا؟ لأن الاستمرار في المسار ذاته، مع تعمق الانحدار في زاوية التنازلات دون مقابل حقيقي، ودون الحفاظ على خطوط رجعة تحفظ الحد الأدنى من الحقوق، يعني ترك القضية تنزلق في سراديب الأوهام، بينما يبقى الشعب مثقلًا بالجراح. وفي لحظة كهذه، لا يكفي أن نرفض الواقع، ولا أن نراهن على تغيّر لا وجود له إلا في الذهن… بل يجب أن نمتلك القدرة والإرادة لتغييره.








