الأونروا بين التفويض الدولي والعجز التنفيذي: اختبار الإرادة الدولية

بقلم: عبد الرحيم جاموس

تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) اليوم أزمة غير مسبوقة تمسّ قدرتها على أداء وظيفتها، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل ما يجري هو أزمة وكالة، أم تعبير عن تراجع الإرادة الدولية في إنصاف قضية اللاجئين الفلسطينيين؟
قانونيًا، أُنشئت الأونروا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكون أداة مؤقتة تضمن الحد الأدنى من حقوق اللاجئين، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة، وهو حق يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والحق الطبيعي، لا إلى موازين السياسة. غير أن هذا التفويض يصطدم اليوم بواقع تنفيذي مأزوم، تتداخل فيه أزمات التمويل والقيود الميدانية والضغوط السياسية.
أول هذه الأزمات هو العجز المالي المزمن. فاعتماد الأونروا على التمويل الطوعي يجعل خدماتها رهينة لتقلبات المانحين، ما أدى إلى تقليص البرامج وتسريح الموظفين، وتحويل الحقوق الإنسانية إلى التزامات مشروطة. وهنا لا يكمن الخلل في نقص الموارد فقط، بل في غياب آلية تمويل مستدامة تعكس الطبيعة القانونية لتفويض الوكالة.
في هذا السياق، تبرز أهمية الأدوار الداعمة التي سعت إلى تمكين الأونروا من الاستمرار، وفي مقدمتها مساهمات المملكة العربية السعودية، التي شكّلت عبر السنوات رافعة مهمة لاستقرار برامج الوكالة، سواء عبر الدعم المالي المباشر أو الإسناد السياسي. هذه المساهمة لا تُقرأ فقط في بعدها الإنساني، بل في دلالتها السياسية والقانونية، بوصفها تأكيدًا على ضرورة استمرار الأونروا في أداء دورها إلى حين التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يضمن حقوق اللاجئين ولا يتجاوزها.
العامل الثاني يتمثل في القيود الميدانية، خاصة في قطاع غزة، حيث تُعرقل عمليات الإغاثة وتُقيّد حركة الطواقم، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني. وهنا تصبح المفارقة أكثر حدة: وكالة مكلّفة بالإغاثة، لكنها محرومة من أدواتها. أما العامل الثالث، فهو أزمة الشرعية التي تُحاط بها الوكالة، عبر محاولات التشكيك بدورها أو السعي لتفكيكها، بما يعكس توجّهًا لإعادة تعريف قضية اللاجئين خارج إطارها القانوني.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الأونروا لم تفقد ضرورتها، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها التنفيذية. فهي لا تزال العمود الفقري للعمل الإنساني في مناطق عملياتها، لكنها تعمل في ظروف تقل كثيرًا عن الحد الأدنى المطلوب، ما يوسّع الفجوة بين الالتزام القانوني والواقع العملي.
الخروج من هذه الأزمة يتطلب معالجة جذرية، تبدأ بتطوير آلية تمويل مستدامة داخل الأمم المتحدة تقترب من الطابع الإلزامي، وتحصين التفويض القانوني للوكالة ضد محاولات التآكل أو التفكيك. كما يتطلب ضمان الحماية الدولية لمرافقها وموظفيها، وتمكينها ميدانيًا من أداء مهامها دون قيود، إلى جانب تحييد العمل الإنساني عن الابتزاز السياسي.
إن الأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل شاهد قانوني حي على قضية لم تُحل بعد. وأزمتها تكشف خللًا أعمق في بنية النظام الدولي، الذي يراوح بين الاعتراف بالحقوق والتنصل من استحقاقاتها. ومن هنا، فإن استمرار دعمها، عربيًا ودوليًا، بما في ذلك الدور السعودي، يظل ضرورة ليس فقط لضمان الإغاثة، بل للحفاظ على الإطار القانوني والسياسي لقضية اللاجئين، إلى أن تُحل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا يحقق العدالة وينهي معاناة شعب طال انتظارها.
د. عبدالرحيم جاموس