في كل مرة تقترب فيها حركة فتح من استحقاقٍ كبير، يعلو صوت القلب قبل صوت السياسة، وتخرج المشاعر من بين تفاصيل التنظيم لتقول شيئًا واحدًا: هذه الحركة أكبر من الأسماء وأوسع من المقاعد وأعمق من أي خلاف عابر.
نعم… هناك حالة من اللا رضا المبرر لدى عدد كبير من أبناء الحركة بسبب عدم اختيارهم أعضاء في المؤتمر وهذا شعور مفهوم وطبيعي وغير مستغرب، لأن الحديث هنا ليس عن منصبٍ أو امتياز بل عن عشقٍ قديم اسمه فتح، وعن رغبة صادقة بالمشاركة والعطاء والحضور في لحظةٍ يراها الجميع مفصلية في تاريخ الحركة والوطن.
لكن الحقيقة الأهم، هي أن حركة فتح لم تكن يومًا حكرًا على من يجلسون داخل القاعة، ولم تُختصر يومًا بعضوية مؤتمر أو موقع تنظيمي.
فتح كانت دائمًا حالة وطنية جامعة تسكن في وجدان الفلسطيني أينما كان، ولذلك فمن حق كل فتحاوي أن يشعر أنه جزء من هذا المؤتمر حتى وان لم يشارك، بل ومن حق كل فلسطيني مؤمن بهذه الأرض والقضية أن يرى نفسه أحد أبنائها وان يعتب عليها فهي ام الجماهير وأم الجميع حيث أنها لم تكن يومًا مجرد تنظيم بل روح وطنٍ كامل يبحث عن الحرية والكرامة.
ما الحل إذًا؟
وماذا يمكن أن نفعل أمام حركةٍ بحجم وطن تمتد في كل بيت وفي كل مخيم وفي ذاكرة الشهداء والأسرى والجرحى وفي تعب الناس وأحلامهم؟
الحقيقة التي يجب أن نقولها بمحبة عالية وبهدوء الثوار، هي أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر مهما اجتهدت رغم مآخذنا عليها فإنها لن تكون قادرة على استيعاب كل هذا البحر الفتحاوي داخل مؤتمر مدته ثلاثة أيام، يأتي بعد عشر سنواتٍ ثقيلة من المؤتمر الأخير وفي ظل ظروف استثنائية لم تمر على شعبنا بهذا الشكل من قبل، من حصارٍ سياسي وأزماتٍ اقتصادية وتصعيدٍ احتلالي يضغط على الناس في كل تفاصيل حياتهم.
ثم إننا أمام حركةٍ لا تشبه أي حركة أخرى.
فتح ليست إطارًا صغيرًا يمكن جمعه بسهولة، بل وطنٌ كامل يسير على قدمين.
والأجمل في المشهد، أن الزعل نفسه يحمل في داخله معنى الوفاء، لأن ازدحام المترشحين ورغبة الجميع بالمشاركة، ليست أزمة ضعف بل دليل حياة ودليل أن الناس ما زالت ترى في فتح بيتها الكبير، وما زالت تؤمن أن لها مكانًا تحت شمسها.
صدقوني…
من هم داخل المؤتمر ومن هم خارجه، جميعهم يشكلون القمر بصورتيه؛ الهلال داخل القاعة، والبدر المنتظر خارجها.
وبعد انتهاء المؤتمر، سيعود الجميع إلى سماء فتح وفلسطين بدرًا مكتملًا ساطعاً لأن الحركة لا تكتمل ببعضها بل بكل أبنائها.
كفى زعلًا… وكفى اختلافًا.
تعالوا ننجز المهمة سريعًا ونُنهي بقاء القمر هلالًا، كي يعود بدر فتح ساطعًا كما عرفناه دائمًا.
أما أسرانا الأبطال، وحقوقهم وكرامتهم فهي دينٌ في أعناقنا جميعًا، وستبقى فوق كل الحسابات، لأن فتح التي أنجبت هذا التاريخ الطويل من التضحيات لا يمكن أن تنسى أبناءها الذين كتبوا أسماءهم على جدران الوطن بالصبر والصمود.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نتعلمه في هذه اللحظة، أن فتح لا تحتاج إلى مزيدٍ من الانقسام بقدر ما تحتاج إلى مزيدٍ من المحبة والوعي والارتفاع فوق الجراح الصغيرة.
وها هي القدس تقدم لنا كما عادتها ومرة اخرى نموذجًا راقيًا ومشرّفًا حين اتفقت على مرشحٍ واحد للجنة المركزية في مشهدٍ حمل رسالة عميقة بأن الحكمة قادرة دائمًا على الانتصار حين تكون مصلحة الحركة فوق كل اعتبار.
فلنأخذ من هذا الموقف معناه الجميل، ولنبدأ ببث الطمأنينة بدل التوتر والأمل بدل العتب ولنُحيِ في داخلنا ذلك القانون الفتحاوي النبيل الذي تركه لنا الشهيد أبو جهاد… قانون المحبة.
فتح لا تُهزم حين تختلف…
فتح تُهزم فقط إن فقدت قلبها.
وقلبها كان وسيبقى: الناس.








