ليس السؤال من يخلف صائب عريقات في الموقع أو المنصب، بل من يستطيع أن يحمل هذا الإرث الفلسطيني الثقيل دون أن تتعب روحه أو تنكسر بوصلته، فالرجل لم يكن مجرد مفاوض فقط بل كان واحدًا من أولئك الذين حملوا القضية فوق أعصابهم لسنوات طويلة حتى صار صوته جزءًا من ذاكرة فلسطين السياسية، وكان يعرف كيف يحاور العالم دون أن يتخلى عن ثوابته، وكيف يبقى فلسطينيًا حتى في أكثر اللحظات قسوة وتعقيدًا.
ومنذ غياب صائب عريقات بات واضحًا كم كانت الأعباء التي يحملها بصمت كبيرة وثقيلة وكم تضاعفت المسؤوليات السياسية على كاهل فخامة الرئيس محمود عباس الذي وجد نفسه يواجه عواصف المرحلة بأعصاب دولة كاملة، في زمن تتكاثر فيه الضغوط وتتراجع فيه العدالة الدولية أمام قوة المصالح، ورغم كل ذلك ما زالت القيادة الفلسطينية تحاول إبقاء الباب مفتوحًا أمام الأمل وإبقاء فلسطين واقفة رغم التعب والحصار والخذلان.
أما السؤال الحقيقي اليوم، فليس من يملأ الفراغ شكليًا بل من يمتلك داخل حركة فتح تلك المواصفات الثقيلة؛ الخبرة والهدوء والوفاء والقدرة على حمل الوطن دون ضجيج، ففي فتح رجال كُثر يعرفون معنى الدولة ويفهمون تعقيدات السياسة، وحملوا سنوات طويلة من التعب الوطني بصمت ومسؤولية.
ولهذا فإن المؤتمر العام الثامن للحركة يجب أن لا يكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل لحظة بحث حقيقية عن رجال الدولة في فتح وعن أصحاب النفس الطويل والعقل الهادئ والقدرة على حماية المشروع الوطني وسط هذا الزلزال الكبير الذي يحيط بفلسطين لأن فلسطين لم تعد تحتمل التجارب العابرة ولا الوجوه التي تلمع سريعًا ثم تختفي عند أول اختبار.
رحم الله صائب عريقات ورحم شهداء فلسطين جميعًا، أولئك الذين كتبوا أسماءهم على جدار الوطن بالتعب والدم والوفاء وبقوا أوفياء لفلسطين حتى آخر العمر.
رحل صائب، لكن المدرسة التي مثّلها يجب ألّا ترحل لأن الأوطان الكبيرة لا يحميها الخطاب المرتفع فقط، بل الرجال الذين يعرفون كيف يحملون النار بأيديهم كي لا تحترق فلسطين.







