وافتحاه..

بقلم: د. خالد جميل مسمار

مشاركتي في مؤتمرات حركة فتح بدأت في المؤتمر الرابع الذي انعقد في مدرسة أبناء الشهداء في سوريا، في أيار العام ١٩٨٠ رغم أنني التحقت بالحركة بعد هزيمة حزيران في العام ١٩٦٧، وانتخبت عضوا في المجلس الثوري عقب المؤتمر الخامس الذي انعقد في تونس في العام ١٩٨٨. ومضت المسيرة الفتحاوية إلى موعد انعقاد المؤتمر الثامن الذي سيعقد بعد أيام في مواقع أربعة أهمها في رام الله. ورغم أنني كنت أشدّ الرّحال للمشاركة إلا أن الحالة الصحية المرضية وكذلك حالة شقيقتي الخطيرة أقعداني عن الاشتراك في مؤتمر حركي ينعقد في مرحلة خطيرة ليس على القضية الفلسطينية فحسب، ولكن على العالم أجمع بعد الحرب المجنونة التي يشنها الثنائي الإجرامي ترامب – نتنياهو.
ليس هذا فقط الذي أقعدني عن المشاركة، بل لأنني لاحظت ان غالبية أعضاء المؤتمر كلّ همّهم من سيترشح للجنة المركزية أو المجلس الثوري مغفلين الحاجة إلى ترتيب البيت الفتحاوي أولا والوضع الداخلي والعلاقات داخل الحركة والبناء التنظيمي وما تتعرض له الأرض الفلسطينية مع قضم وسرقة واستيطان وتغول المستعمرين المستوطنين وإجرامهم وكيفية مواجهة هذا كله وغيره الكثير.
لقد آلمني ذلك وأثر في نفسيتي خاصة وأنني عشت العصر الذهبي للحركة برموزها الأوائل الكبار الذين ضحوا بأنفسهم من أجل هدف الحركة الأول وهو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. ورغم الخذلان الذي واجهنا من كثير من الأشقاء والأعداء على حد سواء مما اضطرنا إلى القبول للتسوية التي وصلنا إليها حاليا.
نعم قصرنا في كثير من الميادين أعترف بذلك.. فلم ندرس ونتدارس ونناقش ما الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه.. فلم ندرس أسباب ونتائج ما جرى في أيلول السبعيني وخروجنا من أهم قواعدنا المواجهة مباشرة مع الاحتلال.. ثم خروجنا من لبنان في العام ١٩٨٢ رغم الصمود البطولي لقوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية (القوات المشتركة) ولم نستخلص الدروس والعبر، ثم توغلنا في الانتفاضة المباركة التي جعلت العالم كله يتعاطف مع القضية الفلسطينية وحصدنا نتيجتها أن شكلنا أول سلطة وطنية فلسطينية على الأرض الفلسطينية و أصبحنا فوق أرضنا. الا ان الكثيرين منا اعتقد ان هذا هو نهاية المطاف، مما جعل رمزنا وقائدنا المرحوم أبو عمار ينتقدهم ويتهمهم (بالنزول عن الجبل)، وتحداه بعضهم عبر الجزيرة وغيرها مستقوين بمن يدعمهم إلى أن جعلوا الأعداء يصلوا إليه ويسممونه.. وحتى الآن لم نصل ولم نكمل البحث ونصل إلى نتيجة!
وقبل ذلك بكثير وعند الانشقاق الكبير الذي جرى بعد خروجنا من بيروت في العام ١٩٨٢ المدعوم في نظامي حافظ الأسد ومعمر القذافي، لم ندرس أسبابه ونتائجه وتأثيره على القضية الفلسطينية.
ثم وبعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية بعد اتفاق المبادئ في أوسلو والانقلاب الدموي الذي قامت به حماس ضد السلطة، لم نتدارس أسبابه ومسبباته حتى الآن.. ثم التطاول على السلطة بعد هذا الانقلاب من عدد من الكوادر المدعومين من بعض دول الخليج.
كل هذه الأمور ما زالت معلقة ولم نتعظ أو نأخذ العبر ونبحث عن أسبابها ومسبباتها.
وها هو المؤتمر الثامن ينعقد والاهتمام الكبير خلاله هو من سيصبح في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري.
سامح الله المرض الذي أقعدني عن المشاركة فيه ولقاء زملائي القدامى منهم خاصة حتى نستذكر أيامنا الحلوة والصعبة التي كنا فيها ندافع عن ثورتنا وقضيتنا في مختلف أماكن تواجدنا وفي شتى الميادين العسكرية والسياسية والإعلامية والثقافية.. وربما يكون هو اللقاء الأخير لنا في هذا المؤتمر حيث أننا ربما لن نكون على قيد الحياة عند انعقاد المؤتمر التاسع بعد أن تجاوز العديد منا السبعين بل الثمانين من عمره.
حماك الله يا “فتح”.. لتكملي المشوار الذي انطلق به الأوائل من أبنائك البررة وتسلمي الراية لجيل جديد من أشبال وزهرات المعسكرات الصيفية الذين هم في الوطن والذين كانوا في الشتات.
وستبقى فتح هي ديمومة الثورة حتى تحقيق الهدف وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.