تكشف المقترحات المتبادلة بين الإدارة الأمريكية والقيادة الإيرانية حجم المأزق السياسي والعسكري الذي تعيشه واشنطن بعد فشل مخطط إسقاط النظام الإيراني أو فرض الاستسلام الكامل عليه. فبعد أربعين يومًا من العدوان الأمريكي الإسرائيلي المكثف على إيران، ورغم حجم الدمار الهائل والخسائر البشرية والمادية، واستهداف قيادات من الصف الأول، لم تتمكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” من تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء قدراته العسكرية والسياسية أو فرض معادلة استسلام كاملة على طهران.
لقد راهنت حكومة بنيامين نيتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إحداث انهيار داخلي سريع داخل إيران، عبر الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والإعلامية، إلا أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات الأمريكية والإسرائيلية، حيث تمكنت إيران من امتصاص الضربة، والحفاظ على تماسك مؤسساتها السياسية والعسكرية، إضافة إلى قدرتها على فرض معادلات جديدة في المنطقة، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي وحركة الطاقة الدولية.
وقد أدركت الإدارة الأمريكية أن أي تصعيد واسع في مضيق هرمز سيقود إلى أزمة اقتصادية عالمية كبرى، نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتعطل حركة التجارة الدولية، الأمر الذي وضع واشنطن أمام تحديات اقتصادية وسياسية معقدة، خاصة في ظل حالة التضخم والأزمات المالية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي. لذلك، بدأت الإدارة الأمريكية تتجه نحو لغة المفاوضات والمقترحات السياسية، بعد أن عجزت القوة العسكرية عن تحقيق أهدافها.
وفي المقابل، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق التصريحات الاستفزازية والمتناقضة ضد إيران، مستخدمًا لغة التهديد والوعيد، بما في ذلك الحديث عن إعادة إيران إلى “العصر الحجري”، وهي التصريحات التي تعكس حالة التخبط السياسي والعجز عن تحقيق نصر حقيقي على أرض الواقع. كما أن هذه اللغة العدوانية تتطابق إلى حد كبير مع خطاب حكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تتوقف عن التهديد بتوسيع دائرة العدوان في المنطقة.
ويواصل بنيامين نيتنياهو وائتلافه الحاكم استخدام سياسة الإرهاب والتهديد بحق شعوب المنطقة، حيث يهدد لبنان بمصير مشابه لما يتعرض له قطاع غزة من حرب إبادة جماعية وتدمير شامل، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد بالقوة العسكرية، وسط دعم أمريكي غير محدود للاحتلال الإسرائيلي.
إن ما يجري اليوم يؤكد بصورة واضحة أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست وسيطًا نزيهًا، ولا يمكنها أن تكون صانعة سلام حقيقية في الشرق الأوسط، لأنها شريك مباشر في الحروب والعدوان والانحياز الكامل للاحتلال الإسرائيلي، سواء في فلسطين أو لبنان أو على مستوى استهداف دول المنطقة الرافضة للهيمنة الأمريكية.
ومن هنا، فإن المطلوب عربيًا لم يعد يقتصر على بيانات الإدانة والاستنكار، بل يتطلب إعادة صياغة شاملة لآليات إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، والتحرر من الضغوط والإملاءات الأمريكية، والعمل الجاد على بناء مشروع عربي مستقل يمتلك أدوات القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وقادر على تشكيل قوة ردع حقيقية تحمي الأمن القومي العربي وحقوق الشعوب العربية.
كما أن الحديث الإسرائيلي المتصاعد عن إلغاء اتفاق أوسلو يؤكد مجددًا أن “إسرائيل” كدولة احتلال، لا تحترم الاتفاقيات الثنائية أو الدولية، ولا تلتزم بقرارات الشرعية الدولية، بل تستخدم الاتفاقيات كوسيلة مرحلية لتحقيق مصالحها السياسية والأمنية، قبل الانقلاب عليها عندما تتغير موازين القوى.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن القيادة الإيرانية لا تتعامل مع المفاوضات بحالة استعجال، إدراكًا منها لحجم الأزمة التي تواجهها واشنطن. فكلما طال أمد المواجهة السياسية والعسكرية، ازدادت الضغوط الاقتصادية والمالية داخل الولايات المتحدة، وارتفعت كلفة الحرب على الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يفسر محاولات ترامب المتكررة للانتقال من لغة التهديد العسكري إلى تقديم مقترحات سياسية ومخارج تفاوضية تحفظ ماء الوجه للإدارة الأمريكية بعد فشل أهداف الحرب.
عمران الخطيب








