المثقف الماكيافيلّي والسلطات المستبدة

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

يتمظهر الانحطاط في المجتمع الواحد، أو في عدة مجتمعات، بصورٍ وأشكالٍ متعددة، وله أسباب متشابكة ومتداخلة، كما تتفرع عنه أنماط متراتبة ومترابطة، يرعى بعضها بعضاً. وغالباً ما تتكفّل برعايته أنظمةٌ استبدادية ريعية، أو أنظمة مجنَّدة لخدمة قوى خارجية تقوم مصالحها الخاصة على استشراء التخلف والانحطاط؛ ضماناً لمصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وترسيخاً لهيمنتها الثقافية على حياة الناس، وإبعادهم عن تاريخهم وثقافتهم ودينهم وحضارتهم.

وللانحطاط مظاهر وصور تبرز بشكلٍ جليّ وواضح بعد استفحاله في المجتمع، إذ يبدأ هذا الداء العضال بالنخر في بنيته العميقة، حتى يغدو السائد في الحياة العامة واليومية، ويتحوّل إلى علامة فارقة من سمات المجتمع وخصائصه، وإلى عامل مؤثر في قيمه وأخلاقياته. وبدلاً من القيم السامية والأخلاق الرفيعة الأساسية التي كانت عاملاً فاعلاً في تشكّله وتكوينه، تسود قيمٌ مضادة تُفضي إلى التفسخ والانهيار. وكانت تلك القيم الأصيلة، في جوهرها، قيماً دينية ومجتمعية تدعو إلى سيادة مكارم الأخلاق والفضيلة، ونبل القيم والنواميس، والتعاون على البر والإحسان والعدل، والتكافل الاقتصادي والاجتماعي، والسمو الثقافي والمعرفي، والإبداع الحضاري، واحترام الإنسان وصون حقوقه، والإخلاص في العمل وإتقانه.

وفي واقعنا المعاصر نجد أن مجتمعاتنا العربية بعيدة، بدرجات متفاوتة، عن هذه القيم والنواميس، بل إنّ مظاهر الانحطاط والتخلف والبُعد عن القيم الأخلاقية النبيلة باتت سائدة في معظمها. كما تفاقم اختلاط المفاهيم الثقافية وانحسارها وتقوقعها، وتشابكت الثقافة العربية والإسلامية مع الثقافات الغربية وقيمها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، واختلطت المفاهيم السائدة بين الليبرالية والعلمانية والاشتراكية بوصفها مقومات للحضارة المعاصرة والحداثة، وكبديل عن الثقافة والمعرفة العربيتين الموغلتين في القِدم.

وهكذا، فإنّ انحطاط المجتمع وتخلّفه ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ينعكس على بنية العقل وطريقة تفكير الإنسان وسلوكه ونتائج أفعاله. كما ينعكس على القيم بوصفها محمولاً للفرد، ومكوِّناً رئيسياً للأخلاق التي ترتكز عليها الدولة، باعتبارها مجموعة من المؤسسات والهيئات والإدارات. وتتحوّل مبادئ الخير والحق والجمال، التي يفترض أن تكون قيماً مطلقة، إلى قيم نسبية فاقدة للمضمون والهوية، تتحرك أفقياً وعمودياً وفق المصالح والظروف. فالعلاقة بين السلطة ـ الدولة من جهة، والفرد ـ المجتمع من جهة أخرى، علاقة جدلية معقّدة؛ فهما طرفان لمعادلة واحدة، يزداد أحدهما بازدياد الآخر وينقص بنقصانه، وهي علاقة اتحاد وترابط في الشكل، لكنها تضادّ وانفصام في الجوهر والمضمون التاريخي والواقعي.

وحده المثقف يمتلك ناصية الرؤية الواضحة والفكرة الصافية، كما يمتلك وضوح الهدف وسمو الغاية ونبل الوسيلة. وهنا نقف أمام قضية غاية في الأهمية، وهي أنّ المثقف نوعان: مثقفٌ لذاته ولغيره، وهو المثقف العضوي الفاعل والمنتج، ومثقفٌ لذاته فقط، وهو محدود التأثير والفاعلية. فالمثقف العضوي ترتبط همومه بهموم مجتمعه بكل تفاصيلها؛ يرى الفكرة، يفهمها، يشذبها، ويضعها ضمن مشروع عملي يحدد الأهداف والوسائل والآليات الكفيلة برفع المعاناة عن المجتمع والارتقاء به. كما يسعى إلى زيادة الوعي، وحشد المؤيدين من أصحاب المصلحة الحقيقية، ويناضل بثبات لرفع الظلم والأذى عن المتضررين ضمن منهجية نضالية واعية، ويعمل مع الجماهير بعد أن يسلّحهم بالوعي النوعي، ويولّد لديهم القدرة على استخدامه. لتصبّ هذه الجهود في النهاية في خدمة الأهداف الإنسانية السامية المتمثلة في الخير والحق والجمال، بوصفها مكونات أساسية لعلاقة الإنسان بالطبيعة والكون.

ومن الواضح تماماً أنّ للمثقف وظيفةً محورية، بوصفه حجر الأساس في مثلث: الشعب، والرقابة والإعلام، والسلطة. إذ تقع على عاتقه مهمة متابعة أفعال السلطة ومراقبتها، ثم مقارنتها بما ينبغي أن تكون عليه، أي بما تعلنه وتدّعيه. ومن هنا تتمثل وظيفة المثقف في كشف الأخطاء والانحرافات والخلط الذي تقع فيه السلطة، وإعلان ذلك للشعب. وهذه هي الفكرة التي بنى عليها المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد مقولته الشهيرة: «وظيفة المثقف إزعاج السلطة». وقد كتب في كتابه «صورة المثقف» أن المثقف «إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي عالٍ، وعلى رفض الصيغ السهلة والأفكار المبتذلة الجاهزة، ورفض المهادنة والتملق لما يقوله الأقوياء والتقليديون ويفعلونه».

 

لقد تبيّن بالدليل الواضح أنّ أخطر الأزمات التي يعانيها المثقف العربي اليوم تتمثل في تخليه التدريجي عن امتلاك الأفكار النوعية، وفي تحوّل الرضا بما هو متاح وممكن إلى سمة مقلقة في الحوارات الثقافية التي باتت أقرب إلى السفسطة العقيمة. وكأنّ روح الاستسلام والتهاوي والانهزامية قد تسللت إلى أرواح من يُفترض بهم أن يكونوا طليعة التغيير والثورة الفكرية. ولا أدلّ على ذلك من أنّ ما سُمّي بـ«الربيع العربي» انطلق في ظل فراغ فكري وثقافي وسياسي حقيقي، من دون مشروع فلسفي أو نهضوي يقوده، ومن دون حضور فاعل لمفكرين وفلاسفة كبار ينظّرون له ويقومون اعوجاجه. لذلك تحوّل، في كثير من المواضع، إلى حراك انفعالي متخبط بلا بوصلة، انتهى إلى الفوضى والفشل والضياع.

وفي التاريخ السياسي يبرز اسم المفكر والفيلسوف الإيطالي نيكولو ماكيافيلّي بوصفه واحداً من أبرز الفلاسفة الذين استلهمت منهم الأنظمة الاستبدادية كثيراً من أدواتها. ففي كتابه «الأمير» وضع أسساً براغماتية للحكم، من أشهرها مقولته: «الغاية تبرر الوسيلة». وقد رأى كثير من الحكام المستبدين في هذا الكتاب مرجعاً عملياً لإدارة السلطة وتكريس الهيمنة.

وفي حقيقة الأمر، فإنّ مهمة المثقف الأولى تتمثل في تصحيح ما اعوجّ من القيم والأخلاق، والعمل على إزالة ما يشوبها من شرور وآثام، ضمن منهج يبدأ من الجزئي ليصل إلى الكلي، ومن المحسوس إلى المجرّد. فالإنسان لا يستطيع استيعاب الكلي والشامل ما لم يهزّه الجزئي الذي ينقله إلى فضاء أرحب.

أما الذرائعية أو الوصولية أو الميكافيلية، فهي جميعاً صفات لمسمّى واحد يقوم على السعي إلى المناصب والمكانة بوسائل غير أخلاقية، ولو كان صاحبها غير أهلٍ لها. ومن موقعه الجديد يتعامل الوصولي مع الآخرين باستعلاء، ويستخدم كل الوسائل المتاحة لتحقيق مصالحه الشخصية، مجسّداً عملياً مقولة ماكيافيلّي الشهيرة: «الغاية تبرر الوسيلة».

وعلى المستوى العام، لم تكن الوصولية والانتهازية تحملان هذا الاسم دائماً، بل كثيراً ما تتخفّيان خلف شعارات الشرعية والخلاص الجماعي. فقد تنشأ أحزاب وقوى سياسية بهدف تحقيق العدالة والتحرر، ثم يتحول بعضها مع الزمن إلى أدوات للخلاص الفردي وتراكم الثروة والسلطة. وهكذا تتولد ثقافة مشوّهة يصبح فيها الوطن مختزلاً في حزب، أو الحزب مختزلاً في أفراد لا يمتلكون مشروعاً حقيقياً.

لقد شهد تاريخ النهضة الغربية وحركات التنوير والإصلاح حراكاً فكرياً واسعاً قاده فلاسفة ومفكرون كبار أمثال إيمانويل كانط، وفولتير، وجاك دريدا، وميشال فوكو، وغيرهم، وكانت التحولات الحضارية الكبرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأفكارهم ومشروعاتهم الفكرية.

وإذا كانت وظيفة المثقف الغربي قد تمثلت في تفكيك الواقع وتحويل النقد إلى أفق للمستقبل، فإنّ السؤال الملحّ اليوم هو: أين يقف المثقف العربي من واقع الانحدار التاريخي الذي تعيشه الأمة؟ وإذا تجاوزنا الفجوة بين مفكري النهضة العربية، أمثال عبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وبين واقعنا الراهن، فإننا نكتشف أننا نعيش أزمة مثقفين حقيقية تتمثل في غياب المشاريع الفكرية النهضوية القادرة على مواجهة التحديات التاريخية.

ومن الواضح أيضاً أنّ الوصوليين والانتهازيين يعيقون أي مشروع إصلاحي، لأنّ أي انتقال إلى واقع أكثر عدالة يهدد امتيازاتهم غير المشروعة. ومع ذلك، فإنهم يمتلكون قدرة كبيرة على التكيف والانتهاز بفضل ذهنيتهم البراغماتية والزئبقية. وهنا تبرز مهمة المثقف الحقيقي في كشفهم وفضح ممارساتهم.

 

كما تنتشر الوصولية والانتهازية نتيجة تمييع القوانين، واختلاط المعايير، وتفشي الفقر والجهل والأمية، ومحاصرة العلم، وتغليب الشكل على الجوهر. وفي هذا السياق يمكن تفسير انجراف بعض المثقفين نحو الاصطفاف مع مشاريع الانحطاط والاستبداد، بوصفه انعكاساً لأزمة المثقف العربي المهزوم والمأزوم في آنٍ معاً.

وقد أسهمت الأنظمة الاستبدادية، عبر القمع والتدجين والشراء والتخويف والنفي والسجن، في إضعاف دور المثقفين والمفكرين والعلماء، وعملت على عزلهم عن المجتمع والحياة العامة. كما تراجع دور المؤسسات العلمية والثقافية في إعداد نخب قادرة على التأثير الحقيقي في المجتمع.

وفي هذا المناخ المضطرب، تتفكك شخصية الفرد وتغدو متناقضة؛ تدّعي شيئاً وتمارس نقيضه، كمن يرفع شعار محاربة الفساد وهو غارق فيه حتى النخاع.

إنّ الوصولية والأنانية داءٌ عضال يصيب المجتمعات في كل زمان ومكان، ولا يمكن معالجته إلا عبر إصلاح بنيوي عميق ومستمر، ينهض بالإنسان أخلاقياً وفكرياً وحضارياً. ومن هنا تظل مهمة المثقف مهمة سامية، تشبه مهمة الطبيب الذي يسعى إلى استئصال الداء ونشر الوعي بين الناس.