النكبة الفلسطينية بأدوات الحركة الصهيونية

بقلم : محمود أبو زبيدة

لم تكن النكبة الفلسطينية عام 1948 حدثًا عابرًا في التاريخ، بل كانت مشروعًا استعماريًا متكامل الأركان، استند إلى أدوات الحركة الصهيونية السياسية والعسكرية والإعلامية، بهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإحلال واقع جديد قائم على التهجير والاحتلال وإنكار الهوية الوطنية الفلسطينية.
لقد أدركت الحركة الصهيونية منذ بداياتها أن إقامة مشروعها الاستيطاني في فلسطين لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين، فاعتمدت سياسة ممنهجة جمعت بين القوة العسكرية، والدعم الدولي، والتضليل الإعلامي، والعمل المنظم لإحداث أكبر عملية تهجير قسري شهدها التاريخ الحديث في المنطقة.
فمن خلال العصابات الصهيونية المسلحة، مثل “الهاغاناه” و”الأرغون” و”شتيرن”، ارتُكبت المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين في القرى والمدن الآمنة، بهدف بث الرعب في نفوس السكان ودفعهم إلى النزوح القسري. وكانت مجزرة دير ياسين وغيرها من الجرائم الدموية مثالًا واضحًا على العقلية التي قامت عليها الحركة الصهيونية في تنفيذ مشروعها التوسعي.
ولم تقتصر أدوات النكبة على السلاح فقط، بل استخدمت الحركة الصهيونية أدوات سياسية ودبلوماسية مكّنتها من كسب الغطاء الدولي لمشروعها، مستفيدة من الظروف الدولية آنذاك، ومن حالة التواطؤ والصمت تجاه معاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية المشروعة.
أما إعلاميًا، فقد سعت الحركة الصهيونية إلى تزوير الرواية التاريخية، عبر تقديم فلسطين وكأنها “أرض بلا شعب”، في محاولة لطمس الوجود الفلسطيني المتجذر في هذه الأرض منذ آلاف السنين. لكن الشعب الفلسطيني، رغم كل محاولات التشويه والاقتلاع، بقي متمسكًا بهويته الوطنية وروايته الحقيقية التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة، ما زالت الأدوات ذاتها تُستخدم بأشكال مختلفة؛ فالاستيطان، والحصار، والتهجير، والعدوان المتكرر، ومحاولات تهويد القدس، كلها امتداد لذات المشروع الذي بدأ عام 1948، والقائم على إنكار حقوق الشعب الفلسطيني وفرض واقع بالقوة.
لكن في المقابل، أثبت الشعب الفلسطيني أن النكبة لم تكسر إرادته، بل صنعت منه شعبًا أكثر تمسكًا بحقوقه الوطنية، وأكثر إيمانًا بعدالة قضيته. فالفلسطيني الذي هُجّر من قريته حمل مفتاح بيته وورّثه لأبنائه وأحفاده، لتبقى العودة حقًا مقدسًا لا يسقط بالتقادم.
إن ذكرى النكبة ليست مجرد استحضار للماضي، بل تأكيدٌ على استمرار النضال الوطني الفلسطيني حتى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وفي هذه الذكرى، نوجّه التحية إلى شعبنا الفلسطيني الصامد في الوطن والشتات، وإلى أرواح الشهداء وإلى أخي الشهيد مجد أبو زبيدة والأسرى والجرحى الذين قدّموا التضحيات دفاعًا عن فلسطين، مؤكدين أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن فلسطين ستبقى عربية فلسطينية مهما طال الاحتلال.
المجد للشهداء…
الحرية للأسرى…
والنصر لفلسطين
على هامش المقال، أستذكر جدتي أم محمد رحمها الله، كانت تقول لي عندما دخل الكيان الصهيوني إلى أرضنا وكان هناك حالة شديدة من الدمار والقتل، وصوت الرصاص كان في كل مكان، وحينها اتفقنا أن ننزح إلى القرية المجاورة. وتقول جدتي هنا لجدي: “ضع المزيد من الأكل للطيور لأننا سنغيب بضعة أيام عن البيت ثم نعود”. جدتي هنا كانت تبكي كثيرًا لأنها لم تتوقع أن تبتعد كل هذا العمر عن بيتها وأرضها. في حرب 2008، طلبت منها النزوح من مخيم البريج إلى مخيم النصيرات، فرفضت بشكل قطعي وقالت لي: “خرجت في 48 مرة ولن أكررها”. رحمك الله يا جدتي على وصاياك ووصايا الشهداء نحو فلسطين، كل فلسطين.