لطالما كان مفهوم الغزو الثقافي حاضراً في الوعي العربي المعاصر بوصفه أداةً دفاعية إزاء التغيرات المتسارعة التي تفرضها الحداثة الغربية. غير أنّ السؤال الأعمق والأكثر إشكالية لا يكمن في كيفية صدّ هذا الغزو، بل في جدوى الحديث عنه بعد أن تمكّن وتحول إلى هيمنة شبه مطلقة. لسنا، إذاً، أمام مواجهة طارئة أو عدوان عابر، بل أمام بنية استعمارية رمزية تمأسست داخل العقل العربي نفسه، وأصبحت جزءاً من جهازه المعرفي والإدراكي.
لقد انتقلنا من مرحلة الاستهداف الثقافي إلى مرحلة الاستلاب الداخلي، وهو ما يجعل مهمة «المواجهة» أكثر تعقيداً. فالمثقف العربي لا يعيش اليوم في موقع الضحية البريئة فحسب، بل في موقع مَن فقد القدرة على التمييز بين ما هو ذاتي وما هو مفروض. وكما يرى إدوارد سعيد، فإن الهيمنة لا تشتغل بالقوة المباشرة وحدها، بل عبر صناعة التمثّلات، وهذا ما تحقق تماماً في علاقتنا بالغرب؛ إذ إننا نعيد إنتاج صورنا كما يرسمها لنا الآخر، لا كما نرسمها لأنفسنا.
من هنا، يتوجب إعادة التفكير في السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل هذه الهيمنة إلى فاعلية ثقافية؟ وهل يمكن ـ كما تساءل طه عبد الرحمن ـ أن نستعيد حضورنا الثقافي لا بردّ الفعل، بل بالفعل الخلّاق؟
ولعل أول شروط هذه الاستعادة يكمن في القطع مع عقدة النقص الحضاري. فالمثقف العربي المعاصر، كما لاحظ جورج طرابيشي، يستهلك الحداثة الغربية بوعي تابع، إذ يستبطن شروطها دون مساءلة، ويعيد إنتاجها دون نقد. ومن ثمّ، فإن الخروج من هذه التبعية يتطلب جهداً مضاعفاً على مستوى إنتاج المفاهيم، لا على مستوى استيرادها فحسب.
إنّ المسألة لا تتمثل في استدعاء التراث بوصفه مقابلاً للحداثة، بل في خلق تركيب معرفي جديد يتجاوز هذا التقابل، كما ذهب محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي. وهذا التركيب لا يعني النكوص إلى الماضي، ولا الذوبان في الآخر، بل إنتاج «حداثة عربية» قادرة على تفكيك المركزية الغربية، لا بالرفض العاطفي، بل بالفعل النقدي والخلق المفهومي.
كما أنّ الاستلاب لا يعني فقط سيطرة الآخر، بل يعني أيضاً غياب الإرادة في الفعل. ولذا، فإن أخطر ما نعيشه اليوم هو ما يسميه عبد الله العروي بـ«الحداثة المتخيَّلة»، أي تلك الحداثة التي نتمثلها في مظاهرها الخارجية، من دون اختراق أسسها الفلسفية والأنطولوجية العميقة.
أما الناقد الحقيقي، فهو ذاك الذي لا يكتفي بالمراقبة أو التوصيف، بل يتوغل في النص، ويحفر في طبقاته، ويمارس شكّه التأويلي حتى أقصى حدوده. وهذا بالضبط ما نحتاجه في الحقل الثقافي العربي: نقد جذري يتجاوز التسويات الثقافية الهشّة، ويعيد تشكيل العلاقة مع الآخر، لا بوصفها علاقة خضوع أو رفض مطلق، بل بوصفها علاقة إنتاج متبادل تُبنى على أساس الندية المعرفية.
ختاماً، لسنا إزاء غزو ثقافي؛ لأن الغزو يوحي بحدث طارئ، فيما نحن نعيش داخل بنية هيمنية مستمرة. ومع ذلك، فإن إمكانات التحول لا تزال قائمة، لكنها تظل رهناً بإرادة الفعل الثقافي العربي: فعل لا يُستجلب من الخارج، بل يُصاغ من الداخل، على نار الفكر، لا على رماد التبعية.






