في كثير من الأحيان يحاول البعض أن يضع محمود عباس وبنيامين نتنياهو في جملة واحدة، وكأنهما يمثلان وجهتي نظر مختلفتين داخل معادلة سياسية واحدة، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فالمقارنة في أصلها تفترض وجود نقطة مشتركة يمكن القياس عليها، بينما تكمن المعضلة هنا في أن نقطة الانطلاق مختلفة، والغاية مختلفة، والرؤية مختلفة، وحتى معنى المستقبل مختلف.
ليس لأن أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي، فالهويات وحدها لا تصنع الفارق.
وليس لأن أحدهما يتحدث باسم شعب تحت الاحتلال والآخر يتحدث باسم دولة قائمة، فالتاريخ عرف شعوبًا ودولًا سلكت طرقًا مختلفة.
بل لأن أحدهما أمضى سنوات طويلة يحاول إقناع العالم بأن السلام ليس ضعفًا، وأن الدولة الفلسطينية ليست تهديدًا لأحد، وأن هذه الأرض تستحق أن ترى نهاية لهذا الصراع الطويل.
بينما ارتبط الآخر، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، بسياسات جعلت من إدارة الصراع هدفًا قائمًا بذاته، حتى بدا وكأن الأزمة أصبحت واقعًا دائمًا أكثر من كونها قضية تبحث عن حل.
ولهذا تبدو المقارنة بين الرجلين ظالمة للحقيقة.
فهي أشبه بالمقارنة بين من يحمل مشروعًا يبحث عن نهاية للنفق، ومن يتعامل مع النفق باعتباره قدرًا يمكن التعايش معه إلى ما لا نهاية.
أبو مازن لم يبنِ مشروعه السياسي على سؤال: كيف نهزم الآخر؟
بل على سؤال أكثر صعوبة وتعقيدًا: كيف نجعل الحياة ممكنة لشعبنا دون أن ننكر حق الآخرين في الحياة أيضًا؟
وهنا يكمن جوهر الاختلاف.
فالرجل الذي تعرض للنقد والهجوم والحصار السياسي مرارًا، ظل متمسكًا بفكرة واحدة لم يبدلها ولم يساوم عليها، وهي أن مستقبل الفلسطينيين لا يمكن أن يكون إلا في دولة فلسطينية مستقلة تعيش بكرامة وحرية بين أمم الأرض.
لقد راهن على السياسة حين سخر كثيرون من السياسة.
وراهن على الحوار حين ارتفعت أصوات البنادق.
وراهن على العقل حين كانت المنطقة كلها تنجرف نحو مزيد من الغضب والانفجار.
أما نتنياهو فقد ارتبط اسمه، في الوعي السياسي العالمي، بمرحلة طويلة من تعقيد الحلول وتأجيل الاستحقاقات الكبرى، حتى أصبح السؤال الفلسطيني حاضرًا أكثر من أي وقت مضى رغم كل محاولات تجاوزه أو القفز عنه.
ولعل المفارقة التي تكشف عمق الفارق بين المشروعين، أن صاحب مشروع الدولة والسلام والحوار يقف أمام العالم حاملًا رسالة سياسية وإنسانية واضحة، بينما يجد نتنياهو نفسه اليوم يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، في سابقة غير مسبوقة بحق رئيس وزراء إسرائيلي، إلى جانب اتهامات وملاحقات تطال شخصيات ارتبطت بالنهج ذاته والسياسات ذاتها. وبين من يطلب الاعتراف بحق الشعوب في الحياة، ومن يجد نفسه مطالبًا بالإجابة أمام القانون الدولي، تتضح المسافة الحقيقية التي تجعل المقارنة بين الرجلين أبعد ما تكون عن الإنصاف.
ومن هنا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى العالم ليست رسالة دفاع عن شخص، ولا رسالة خصومة مع شخص.
إنها رسالة دفاع عن فكرة.
فكرة تقول إن الشعب الفلسطيني ليس مشروع حرب.
وليس مشروع أزمة.
وليس مشروع مشكلة دائمة كما حاول البعض تصويره.
بل هو شعب يريد ما تريده كل شعوب الأرض: وطنًا وحرية وكرامة ومستقبلًا لأبنائه.
والرسالة إلى العالم أجمع، وإلى المجتمع الإسرائيلي خصوصًا، أن الفلسطيني الذي مثله أبو مازن طوال هذه السنوات لم يطرق أبواب العالم طالبًا خراب المدن أو سقوط الشعوب أو اتساع المقابر.
بل طرقها حاملًا مطلبًا واحدًا واضحًا وبسيطًا:
دعوا شعبنا يعيش.
دعوا أطفال فلسطين يكبرون داخل دولة لا داخل أزمة.
دعوا الأمل يحل مكان الخوف.
ودعوا السياسة تنجز ما عجزت القوة عن إنجازه طوال عقود.
ولعل ما شهدته الساحة الفلسطينية مؤخرًا من استحقاق تنظيمي مهم داخل حركة فتح، وما أفرزته هذه العملية من تجديد للهيئات القيادية، أعاد التأكيد على حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، وهي أن محمود عباس لم يكن يومًا أسير موقع أو منصب أو معركة أشخاص، بل ظل يتحرك من موقع صاحب الرسالة الوطنية والإنسانية التي تتجاوز حدود اللحظة وتفاصيلها.
فبينما انشغل كثيرون بحسابات الأسماء والنتائج، بدا أبو مازن وكأنه يحلق فوق التفاصيل، متمسكًا بالفكرة التي حملها منذ سنوات طويلة: أن فلسطين تستحق الحياة، وأن السياسة وجدت لتفتح أبواب المستقبل لا لتغلقها.
وفي المقابل، ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي جديد في إسرائيل، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا أمام المجتمع الإسرائيلي نفسه:
أي مستقبل يريد؟
وأي طريق يختار؟
فالشعوب التي تبحث عن الأمن الحقيقي لا تبحث عن إدامة الصراع، والشعوب التي تريد السلام لا تمنح أصواتها لمن يجعل الأزمات وقودًا دائمًا لبقائه السياسي.
ولذلك فإن الأمل يبقى معقودًا على كل من يؤمن بقيمة السلام والعدالة والتعايش، بأن يقول كلمته بوضوح، وأن يرفع البطاقة الحمراء في وجه السياسات التي أبقت المنطقة رهينة الخوف والدمار، وفتحت الطريق أمام مزيد من الانقسام والكراهية.
لذلك فإن الحديث عن أبو مازن ونتنياهو لا يجب أن يكون حديثًا عن شخصين، لأن الأشخاص يرحلون ويبقى أثرهم.
إنه حديث عن فكرتين.
فكرة تؤمن أن السلام العادل هو الطريق الوحيد لصناعة مستقبل مستقر.
وفكرة ما زالت تعتقد أن القوة قادرة وحدها على فرض الحقائق وصناعة التاريخ.
لكن التاريخ الإنساني كله يخبرنا بحقيقة واحدة لا تتغير:
القوة تستطيع أن تفرض واقعًا لبعض الوقت.
أما العدالة فهي التي تمنح هذا الواقع شرعيته.
والخوف قد يؤجل الحلول.
أما الأمل فهو الذي يصنع المستقبل.
ولهذا، عندما تُكتب الرواية الحقيقية لهذه المرحلة، لن يسأل التاريخ من كان أعلى صوتًا، ولا من امتلك نفوذًا أكبر، ولا من حشد قوة أكثر.
بل سيسأل سؤالًا واحدًا فقط:
من الذي حاول أن يفتح نافذة للحياة؟
ومن الذي أبقى الأبواب موصدة أمامها؟
وعندها ستبقى الفكرة التي حملها أبو مازن، والقائمة على الدولة والسلام وحق الشعوب في الحياة والحرية والكرامة، أكثر قدرة على البقاء من كل مشاريع القوة العابرة.
فالنار قد تترك وراءها رمادًا كثيرًا…
أما النور، فيكفيه أن يبقى مضيئًا حتى يهزم الظلام كله.
كلنا أبو مازن… ونفتخر.







