في بلادٍ تتساقط فيها الأحلام أسرع من الأوراق اليابسة…
وفي وطنٍ تجاوزت جراحه قدرة الكلمات على الوصف…
ما زال هناك من يصرّ على خوض معارك صغيرة فوق أنقاض المعركة الكبرى.
انتهى المؤتمر…
لكن بعضهم ما زال يتصرف وكأن فلسطين خُلقت من أجله، وكأن القضية كلها تبدأ عند اسمه وتنتهي عند مقعده.
فجأة تغيّرت المواقع وتبدلت القناعات وتراقصت المواقف بصورة تكاد تثير الشفقة أكثر مما تثير الدهشة.
من كان مع المؤتمر أصبح ضده، ومن كان ضده أصبح معه.
ومن بشّر بالتغيير انقلب عليه، ومن حارب التغيير أصبح أحد وعّاظه.
وكأن المشهد كله لا علاقة له بوطنٍ يختنق تحت النار والاقتصاد المنهك، بل بساحة صغيرة لتبديل المواقع وتسجيل النقاط، بينما الناس في الخارج ينتظرون “نتيجة المباراة” ولا يعلمون أن الخسارة تُحسب عليهم هم لا على اللاعبين.
ووسط هذا التيه، يضيع السؤال الحقيقي:
من سأل عن الشعب؟
من سأل عن المواطن الفلسطيني الذي يعيش منذ أكثر من ألف يوم في نفقٍ لا يرى آخره؟
من سأل عن الأب الذي فقد عمله؟
وعن الأم التي تؤجل احتياجات بيتها إلى أجل غير معلوم؟
وعن الشاب الذي لم يعد يحلم بوظيفة، بل يحلم فقط بألا يصبح عبئًا على أسرته؟
من سأل عن الناس الذين أصبحوا يستيقظون كل صباح على سؤال واحد:
كيف سيمر هذا اليوم يا الله؟
في الضفة الغربية، إرهاب المستوطنين يتمدد والطرق تُقطع والأرض تُلتهم قطعةً قطعة والكرامة تُستنزف يوميًا على الحواجز وفي تفاصيل الحياة.
وفي غزة، المشهد أكبر من الوصف وأقسى من اللغة.
أما المواطن الفلسطيني في كل مكان، فقد أصبح يعيش حالة استنزاف نفسي وجسدي غير مسبوقة؛ يحب وطنه لكنه عاجز عن العيش فيه، ويؤمن بقضيته لكنه لم يعد يرى أفقًا قريبًا، ويحترم أبناء المؤسسة الأمنية وهو يشاهد حجم الضغوط والعجز المفروض عليهم في واقعٍ بالغ التعقيد.
اقتصاد ينهار بصمت.
مصادر دخل تتبخر.
أسعار ترتفع بجنون.
أسواق فارغة.
جيوب فارغة.
وبيوت امتلأت بالخوف أكثر مما امتلأت بالطعام.
أما الحكومة… “حكومة الياناصيب” التي يربح فيها القليل ويخسر فيها الجميع.
فكأنها اختارت أن تكون بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
تظهر في الصور أكثر مما تظهر في حياة الناس، وكأنها حكومة مناسبات: إذا وُجد كاميرا حضرت وإذا اختفى الشعب اختفت معه.
وتجيد المؤتمرات أكثر مما تجيد معالجة الأزمات، وتوزّع الوعود كما تُوزّع أوراق اليانصيب… كثير من الأرقام وقليل من الحظ وصفر دائم في النتيجة.
وكأن أكبر إنجازاتها أن العطور الفرنسية الفاخرة ما زالت متوفرة في المكاتب الفاخرة لوزرائها، بينما الأمل نفسه أصبح بحاجة إلى استيراد.
وفي المقابل، “نخبة” سياسية تتقن تبادل الاتهامات أكثر مما تتقن تبادل الحلول.
تختلف على العناوين وتلتقي على التفاصيل الصغيرة، وكأن الوطن مجرد مساحة للنقاشات لا مساحة للحياة.
وهنا يحق القول الذي لا يريد أحد سماعه: إمّا أن ترحلوا… أو أن تعملوا قبل أن ترحلوا على أيدي الصامتين الذين طال صبرهم حتى صار الصمت نفسه موقفًا.
العيد على الأبواب…
لكن خلف آلاف الأبواب الفلسطينية لا توجد فرحة.
هناك آباء يحسبون ثمن الخبز.
وأمهات يؤجلن شراء الملابس.
وأطفال تعلّموا مبكرًا أن الأمنيات ليست دائمًا متاحة.
المفارقة المؤلمة أن شعبًا علّم العالم معنى الصمود أصبح يبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وشعبًا قدّم التضحيات لأجل الكرامة أصبح يقاتل يوميًا للحفاظ على تفاصيل البقاء بكرامة .
والتناقض الأكبر أن الجميع يتحدث عن الأشخاص، بينما الأزمة الحقيقية اسمها الإنسان الفلسطيني.
الجميع يناقش المواقع، بينما الناس تناقش المواجع والفواجع .
الجميع يتجادل حول الأسماء، بينما المواطن يبحث عن ثمن الدواء.
الجميع يخوض معارك افتراضية، بينما الشعب يخوض معركة حقيقية مع الحياة نفسها ومع محتل لا يرحم .
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن الذين يطالبون الناس بالصبر لم يعودوا يشعرون بثقل الانتظار، والذين يطلبون من المواطنين التحمّل لا يسمعون أنين البيوت التي أنهكها التحمّل.
لهذا، لم يعد السؤال: من ربح؟ ومن خسر؟
ولم يعد السؤال: من مع المؤتمر؟ ومن ضد المؤتمر؟
السؤال الحقيقي اليوم أبسط وأقسى من كل ذلك:
من مع الشعب؟
ومن يشعر بهذا الوجع المتراكم في صدور الناس؟
ومن يملك الجرأة ليقول إن الوطن لا يُقاس بعدد البيانات والخطابات، بل بعدد العائلات التي تستطيع أن تعيش بكرامة؟
فالشعب الفلسطيني لم يعد بحاجة إلى مزيد من الجدل…
بل إلى بارقة أمل.
ولم يعد بحاجة إلى طحن الماء والهواء…
بل إلى من يمد له يدًا تنتشله من هذا الإرهاق الوطني العميق قبل أن يتحول التعب إلى حالة دائمة، ويصبح الصمت أعلى صوتٍ في البلاد.





