تتسارع الخطى في سوريا الجديدة نحو تشكيل جيش وطني موحد ينهي حالة التشرذم العسكري التي سادت لسنوات طويلة. تعتمد دمشق في هذا المسار على دعم تقني وسياسي من أطراف عربية وإقليمية ودولية، في محاولة لترسيخ سيادتها الكاملة على أراضيها.
وفي خطوة وصفت بالتحول النوعي، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي شطب سبعة كيانات سورية من قوائم العقوبات، وعلى رأسها وزارتا الدفاع والداخلية. هذا القرار يفتح آفاقاً واسعة للتعاون المباشر في مجالات إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتدريب الكوادر العسكرية وفق المعايير الحديثة.
ويرى مراقبون أن هذا الانفتاح الأوروبي يتجاوز الإجراءات القانونية ليصل إلى مستوى الاعتراف بمؤسسات الدولة الجديدة. كما يزيل القرار العقبات أمام استيراد التقنيات الأمنية المتقدمة وأجهزة إدارة الحدود ومكافحة الإرهاب، مما يعزز كفاءة الأجهزة السورية.
على الصعيد الإقليمي، تبرز تركيا كلاعب أساسي ومحوري في عملية التنظيم العسكري وإعادة الهيكلة الميدانية. وتقدم أنقرة خبرات فنية واسعة في مجالات التدريب والتجهيز، مما يجعلها الطرف الأكثر تأثيراً في صياغة عقيدة الجيش السوري الجديد وتشكيلاته.
في المقابل، تسود حالة من القلق والارتباك داخل الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تجاه هذه التطورات. وحذرت تقارير صحفية عبرية من أن وتيرة بناء القدرات العسكرية السورية تسير بشكل أسرع بكثير مما كانت تتوقعه أجهزة الاستخبارات في تل أبيب.
وتشير المصادر إلى أن خطة الرئيس السوري أحمد الشرع تشمل إعادة تأهيل شاملة لسلاح الجو وبناء منظومات نارية ثقيلة. وتخشى إسرائيل من أن هذه القوة المتنامية قد توجه نحوها مستقبلاً، خاصة في ظل استمرار تصنيف سوريا كدولة عدو في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ويربط محللون بين القلق الإسرائيلي ونجاح دمشق في توحيد الفصائل المسلحة تحت راية مؤسسة عسكرية وطنية واحدة. فإسرائيل كانت تراهن على بقاء سوريا دولة ممزقة وضعيفة، إلا أن الواقع الجديد يفرض توازنات استراتيجية لم تكن في الحسبان.
من جهة أخرى، يرى خبراء في العلاقات الدولية أن بناء الجيش هو حق سيادي أصيل للدولة السورية لا يقبل المساومة. وأكدوا أن استقرار سوريا يمثل مصلحة إقليمية ودولية عليا، وأن وجود جيش قوي ومنظم هو الضمانة الوحيدة لمنع عودة الفوضى أو الإرهاب.
وتشير المعطيات إلى أن المنطقة تتجه نحو ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تهدف إلى دمج الأطراف الفاعلة في منظومة استقرار شاملة. ويأتي هذا التحول في ظل تراجع نفوذ الميليشيات والكيانات ما دون الدولة، مما يفسح المجال لعودة الدور المركزي للدول الوطنية.
الدعم العربي لا يغيب عن هذا المشهد، حيث تبرز دول مثل المملكة العربية السعودية والأردن كأطراف مرشحة للمساهمة في دعم الاستقرار السوري. هذا التكامل العربي يهدف إلى استعادة سوريا لمكانتها الطبيعية في المنظومة الإقليمية بعيداً عن التجاذبات الخارجية.
وتطمح دمشق أيضاً إلى تنويع شراكاتها العسكرية لتشمل قوى دولية مثل روسيا، للاستفادة من الخبرات التاريخية الطويلة. الهدف النهائي هو بناء مؤسسة عسكرية قادرة على حماية الحدود وصون السيادة الوطنية بعيداً عن التبعية لأي محور خارجي.
وتواجه السياسة الإسرائيلية الحالية انتقادات دولية متزايدة بسبب ممارساتها الميدانية في المناطق الحدودية السورية. واعتبر خبراء أن التحرشات العسكرية الإسرائيلية تعكس حالة من فقدان التوازن الاستراتيجي بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
إن محاولات إسرائيل ترويج روايات تبرر تدخلها في الشأن السوري تصطدم برغبة دولية واضحة في دعم الحكومة السورية الجديدة. فالإدارة الأمريكية بدأت تضيق الخناق على طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يسعى لإبقاء جبهات القتال مفتوحة.
في نهاية المطاف، تبدو سوريا عازمة على المضي قدماً في مشروعها الوطني لبناء مؤسساتها السيادية. ورغم التحديات الكبيرة، فإن الدعم الإقليمي والدولي المتزايد يشير إلى أن قطار التغيير في دمشق قد انطلق ولن يعود إلى الوراء.





