السياسي – قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا صلة بين “فيديو الأسطول” الذي أنتجه بن غفير والذي هز العالم، وبين التهديدات الأوروبية الحادة التي تصاعدت ضد إسرائيل في الأيام الأخيرة، ولا سيما تقييد واردات المنتجات القادمة من المستوطنات وفرض عقوبات على كبار المسؤولين الحكوميين، في ظل تزايد الانتقادات لتصاعد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. مع ذلك، في التصور الغربي، تنبع هذه الأمور من مصدر وأحد: الشعور بأن تغييراً جذرياً يحدث في صورة إسرائيل وطابعها، مما يستدعي تحديث تعريف العلاقة معها.
قبل نحو عام، أُطلق تحذيرٌ شديد اللهجة من تسونامي سياسي قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي شهدت قبلها وأثناءها اعترافًا دوليًا واسعًا بدولة فلسطينية بقيادة دول أوروبية. في إسرائيل، التي يحركها منذ السابع من أكتوبر مزيجٌ ضار من الأوهام (بعضها ذو طابعٍ خلاصي) والإيمان بضرورة استخدام القوة في كل زمان ومكان، يُستهزأ بهذا التحذير بالادعاء بأن السماء لم تسقط. والرد المفضل هو تأجيج كل ما يُعتبر عقبةً في طريق الغرب: توسع المستوطنات والإرهاب اليهودي يتصاعدان، مع مطالبات مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى بإلغاء السلطة الفلسطينية وإخلاء الأراضي من الفلسطينيين.
كل هذا يعكس قصورًا في فهم السياقات وعجزًا عن التعلم من الماضي الذي يُصرّ صناع القرار على عدم التحقيق فيه، وبالتالي، ليس من المستغرب أنهم يطورون مفاهيم جديدة تستند جزئيًا إلى بذور المفهوم نفسه الذي انهار في 7 أكتوبر، بما في ذلك الادعاء بأن العالم قد سئم من الفلسطينيين وسيسمح لإسرائيل بتغيير الواقع بين البحر والأردن تغييرًا جذريًا. من المرجح أن يُقابل هذا التحذير بازدراء من قِبل أولئك الذين يعتقدون أن الأمر الوحيد المهم هو موقف ترامب (مع أنه أظهر تقلبًا في موقفه من القضية الفلسطينية، على سبيل المثال عندما ذكر مصطلح “الدولة الفلسطينية” في قرار أصدره في مجلس الأمن بشأن الاستيطان في غزة)، أو أنه لا يكترث إطلاقًا لما يقوله العالم، وهي حجة شائعة بين مؤيدي مبدأ “شعب وحده يسكن” و”بعون الله سيكون كل شيء على ما يرام”.
لكن في الواقع، لا شيء يسير على ما يرام هذه المرة: فإيطاليا، الصديقة المقربة لإسرائيل، تتصدر الانتقادات الموجهة لمعاملة المشاركين في أسطول الحرية (وخاصة الشكاوى من العنف الشديد)، وألمانيا (صديقة مقربة أخرى) تتخذ موقفًا أكثر صرامة من ذي قبل، والمجر، بعد أوربان، لم تعد حصنًا منيعًا ضد التحركات ضد إسرائيل في الاتحاد الأوروبي، وهولندا حظرت استيراد البضائع المنتجة في المستوطنات والقدس الشرقية، وفرنسا والسويد تخططان لتقديم قرار مماثل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. إسرائيل وإن لم تكن على وشك الطرد من المجتمع الدولي، لكنها تكتسب تدريجياً سمات الدولة المنبوذة.
ومن المؤشرات التحذيرية الخطيرة بشكل خاص، التقرير الذي يفيد بأن محكمة الجنايات الدولية في لاهاي تعتزم إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين حكوميين وعسكريين كبار بتهم ارتكاب جرائم حرب. وقد أعلن سموتريتش، الذي ورد اسمه في القائمة، فوراً أن هذا القرار معادٍ للسامية، ويستدعي شن حرب على السلطة الفلسطينية، ووقع أمراً بإخلاء خان الأحمر، موضحاً أن خطواته تهدف إلى “مصلحة جميع المواطنين الإسرائيليين، وتُتخذ باسمهم ولضمان سلامتهم وأمنهم في مواجهة تهديد حقيقي، بهدف أساسي هو جعل مشروع الاستيطان غير قابل للتراجع”. ولم يقف رؤساء الدول الغربية مكتوفي الأيدي، فأصدروا بياناً مشتركاً حذروا فيه من أن الشركات الإسرائيلية التي ستُعمل في منطقة E1، وهي خطوة أخرى حاسمة وقعها سموتريتش، ستُخاطر بانتهاك القانون الدولي. الرد الإسرائيلي التلقائي، الذي ربما كان فعالاً في وقت من الأوقات، هو اتهام المنتقدين بمعاداة السامية، أو الضعف أمام تحدي الإسلام (من بين أسباب أخرى تتعلق بتعزيز القضية الفلسطينية)، أو التذمر من ضعف الدعاية. والحقيقة المحزنة هي أن الواقع نفسه معيب، وأنه لا سبيل لتفسير ما يشاهده المشاهدون حول العالم. إن القتل الوحشي وإصابة الفلسطينيين في الضفة الغربية، ومعاملة قاسية ضد الحيوانات على أيدي المستوطنين، وضرب الراهبات وإذلالهن، وتدنيس الرموز المسيحية، والاحتفال بيوم القدس مع إلحاق أضرار جسيمة بالعرب وممتلكاتهم، مع تصريحات بضرورة إبادة عماليق، وتحقيق حدود الوعد، وبناء الهيكل… كل ذلك يُشكل وصفة لتكوين صورة لإسرائيل كجالوت متطرف وعنيف، بعيدة كل البعد عن الأسطورة القديمة لداود العادل والذكي.
في ظل الظروف الراهنة، بات العالم يتذكر مجزرة 7 أكتوبر بشكل أقل بكثير، وبالتأكيد لا ينظر إليها كوسيلة تسمح لإسرائيل باستخدام القوة باستمرار؛ وبدأت الانتقادات الموجهة إلى أساطيل الحرية بالتلاشي، والتي كانت مصحوبة بعناصر معادية لإسرائيل والصهيونية، وغالبًا ما كانت تُظهر توترًا تجاه حماس؛ وتشير التقارير، كما في صحيفة نيويورك تايمز، إلى أن هذه الأساطيل لا تُحدث الصدمة التي كانت ستُحدثها في الظروف العادية.
وفي محاولتهم لتلفيق سردية معينة وإضفاء الشرعية على موقفهم في الداخل، يدّعي صناع القرار في إسرائيل، المتورطون في سلسلة الأحداث السلبية الأخيرة، أن هذا هجوم على جميع مواطني البلاد، وأنهم يمثلون “قيم الجميع وأهدافهم ومصالحهم”. يتطلب هذا الوضع من الرأي العام الإسرائيلي، أولاً، أن يُواجه الواقع بصدق (وخاصة الأحداث في الضفة الغربية)؛ ثانيًا، أن يفهم التداعيات الجماعية، لا سيما القيود المفروضة على المجالين الاقتصادي والعلمي (حيث لا يُنصح بالاعتماد على افتراض أن جميع الدول، في ظل تصاعد الحروب في العالم، ستسعى إلى إقامة علاقة مع إسرائيل التي تمتلك قدرات عسكرية هائلة، دون “الإثقال” غليها بالقضية الفلسطينية). وثالثًا والأهم توضيح أن هذا ليس نهج الدولة وأغلبية مواطنيها، بل نهج ائتلاف من قطاعات ذات رؤية متطرفة، تُفرض كسياسة على المستوى الوطني بسبب ظروف سياسية مضطربة، وهو وضع قد يتغير، بل ينبغي أن يتغير، بعد الانتخابات.
د. ميخائيل ميلشتاين
يديعوت أحرونوت 24/5/2026








