العيد ليس موعدا،،، بل لحظة صلح مع الحياة

بقلم: شادي عياد

على أعتاب عيد الأضحى المبارك هناك لحظة صامتة تمرّ في داخلنا جميعًا… لحظة تشبه الضوء حين يفتح طريقه بين الغيم، وتقول لنا بهدوء: ما زال هناك متّسع للأمل.

رغم كل ما يثقل الأيام، يبقى في هذه الأرض شيء لا ينكسر: القدرة على النهوض من جديد والعودة إلى المعنى الأول للأشياء، حين كانت الحياة أبسط والقلوب أقرب والكلمة الطيبة كافية لتغيير مزاج يوم كامل.

ونحن نستقبل هذه الأيام المباركة، لا يمكن إلا أن نستحضر القدس، تلك المدينة التي تسكن القلب قبل الجغرافيا، كأنها البوصلة التي تعيد ترتيب اتجاه المعنى فينا، مدينة تختصر الحلم والذاكرة معًا، وتبقى رغم كل ما يحيط بها علامة على أن الروح أقوى من كل ما يثقل الواقع.

ونستحضر أيضًا الشهداء الذين مضوا حاملين المعنى لا الغياب، كأنهم تركوا لنا وصية خفية: أن تبقى الفكرة أوسع من الفقد والأرض أعمق من الألم. ونستحضر الأسرى الذين يكتبون الصبر كل يوم على جدران الزمن، والجرحى الذين يعلّموننا أن الألم قد يُضعف الجسد لكنه لا يُطفئ الإرادة.

نحن لا نحتاج إلى عالمٍ بلا اختلاف، بل إلى عالمٍ يعرف كيف يتّسع لاختلافه دون أن يخسر إنسانيته. نحتاج إلى أن نخفّف من حدّة المسافات، لا أن نلغيها، وأن نمنح بعضنا فرصة أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نقترب بدل أن نتباعد أكثر مما يجب.

في السياسة كما في الحياة، تبقى القوة الحقيقية ليست في الصراع، بل في القدرة على صناعة مساحة مشتركة تُبقي الباب مفتوحًا أمام الغد. فكل خطوة باتجاه التهدئة والمحبة والتسامح ، هي خطوة باتجاه حياة أكثر استقرارًا، وكل لحظة تفكير بالآخر هي استثمار في مستقبلٍ أقلّ تعبًا وأكثر اتساعًا.

ومع اقتراب العيد اكثر وأكثر ، تتقدّم فكرة بسيطة لكنها عميقة:
أن الفرح لا يكتمل وحده، بل يكتمل حين يُشارك، وأن الطمأنينة لا تُولد من فردٍ واحد، بل من شعورٍ عام بأننا ما زلنا قادرين على أن نكون معًا رغم كل شيء.

في فلسطين، ورغم كل التحديات، ما زال في الناس ما يدهش: إرادة الحياة والقدرة على البدء من جديد والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا أحسنّا قراءته وصنعه معًا. هذا الإصرار الهادئ هو أعظم ما نملكه، وهو ما يجعل كل صعبٍ قابلًا لأن يُفهم، وكل تعبٍ قابلًا لأن يمرّ.

ولعل القدس بما تحمله من معنى والشهداء بما يتركونه من أثر والأسرى بما يصنعونه من صبر والجرحى بما يحملونه من وجعٍ صامت، جميعهم يشكّلون في داخلنا ذاكرة واحدة تقول إن هذه الأرض رغم كل شيء ما زالت حيّة، وما زال فيها ما يستحق أن ننهض لأجله.

فلنستقبل العيد بروحٍ أخفّ ونيةٍ أصفى وقلوبٍ أكثر استعدادًا للجمال.
ولنجعل منه فرصة صغيرة لكنها مهمة: أن نعيد ترتيب أنفسنا نحو الأفضل وأن نختار الكلمة الطيبة بدل الحادة، والقرب بدل البعد والطمأنينة بدل التوتر.

فالأيام مهما اشتدّت… تبقى الحياة أوسع من أي لحظة وأجمل من أي عثرة وأقوى من أي تعثر.
وكل عيد… هو تذكير بسيط بأن في داخلنا دائمًا بداية جديدة تنتظر أن تُعاش.
وكل عام وفلسطين بخير.