– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث ومحلل ومختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني
في سياق سياسي إسباني تتداخل فيه التحولات الاجتماعية مع إعادة تشكل الاصطفافات الحزبية داخل البرلمان، تواجه حكومة رئيس الوزراء Pedro Sánchez وضعا معقدا يقوم على توازن هش بين إدارة التحالفات الداخلية ومواجهة ضغط معارضة يمينية تصعد أدواتها السياسية والإعلامية والميدانية على نحو متزامن. ويمكن قراءة هذا المشهد عبر ثلاث دوائر مترابطة: بنية النظام البرلماني نفسه، أدوات الصراع السياسي الداخلي، وحدود القدرة الفعلية على تغيير ميزان الحكم.
ينتمي النموذج السياسي الإسباني إلى نظام تعددي برلماني لا تنتج فيه الحكومات عادةً من أغلبية حزبية مطلقة، بل من تحالفات تبنى بعد الانتخابات وتعاد هندستها داخل البرلمان بشكل مستمر. ووفق هذا الإطار، لا يستمد رئيس الحكومة استقراره من كتلة حزبية صلبة، بل من قدرته على تأمين أغلبية تصويتية مرنة قابلة للتجدد، مما يجعل من الحكم عملية تفاوض دائمة أكثر منه تفويضا انتخابيا ثابتا.
في هذا السياق، تقوم الحكومة الحالية على ائتلاف متداخل يجمع الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني Partido Socialista Obrero Español PSOE مع قوى يسارية وإقليمية أبرزها تحالف Sumar، إضافة إلى أحزاب كتالونية وباسكية تلعب دورا حاسما في ترجيح الأغلبية داخل البرلمان. هذا التشكيل يمنح الحكومة قدرة على الاستمرار، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام هشاشة بنيوية، إذ إن تماسكها لا يقوم على انسجام أيديولوجي بقدر ما يقوم على تفاهمات ظرفية قابلة لإعادة التفاوض في أي لحظة.
في المقابل، تتموضع المعارضة في معسكرين رئيسيين: اليمين المحافظ ممثلاً بـ Partido Popular PP، واليمين المتشدد ممثلا بحزب Vox. وعلى الرغم من امتلاك هذا المعسكر قدرة واضحة على التأثير في الرأي العام وتوجيه الخطاب السياسي، فإن محدودية قدرته على بناء تحالفات برلمانية واسعة مع القوى الإقليمية تعيق تحوله إلى بديل حكومي جاهز، وهو ما يدفعه إلى تبني استراتيجية ضغط متعددة المستويات بدل السعي المباشر إلى إسقاط السلطة.
داخل البرلمان، تتجسد هذه الاستراتيجية في أدوات متكررة تشمل طرح مبادرات حجب الثقة، وتعطيل المسارات التشريعية، وفتح لجان تحقيق في ملفات سياسية واقتصادية مثيرة للجدل. هذه الآليات لا تستخدم فقط كوسائل لإحداث تغيير حكومي فوري، بل كجزء من نمط “استنزاف سياسي” يهدف إلى إضعاف القدرة التنفيذية للحكومة وإبقائها في حالة دفاع دائم.
وخارج المؤسسة التشريعية، ينتقل الصراع إلى الفضاء العام حيث تتصاعد التعبئة الاجتماعية في مدن كبرى، وفي مقدمتها مدريد، حول قضايا ذات طابع معيشـي مباشر، أبرزها أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات الشابة. هذه الملفات لا تعكس فقط أزمة ظرفية، بل تشير إلى اختلالات بنيوية في السياسات الحضرية والاقتصادية، ما يمنح الخطاب المعارض مادة اجتماعية قابلة للتعبئة المستمرة.
كما يمتد الضغط إلى المجال الإعلامي والقضائي، حيث تتحول التحقيقات المتعلقة بشبهات الفساد أو سوء الإدارة إلى عناصر مركزية في تشكيل السردية السياسية. ورغم أن هذا التداخل بين القضاء والسياسة يعد جزءا طبيعيا من أنظمة ديمقراطية متقدمة، إلا أن حدته في السياق الإسباني تسهم في تعميق الاستقطاب وإبقاء المشهد السياسي في حالة توتر دائم، خاصة أنها تمس رئيس الحكومة الاشتراكية السابق خوسيه ثابتيرو وزوجة رئيس الحكومة الحالي ديجونيا غوميث في قضايا منفصلة.
ومن بين أكثر الملفات حساسية في هذا السياق، يبرز ملف تسوية أوضاع المهاجرين. إذ أن الحكومة تتبنى مقاربة تقوم على تنظيم أوضاع المهاجرين غير النظاميين ودمجهم تدريجيا في سوق العمل عبر آليات تقنين قانوني، باعتباره خيارا مرتبطا باحتياجات اقتصادية وديموغرافية. في المقابل، توظف المعارضة اليمينية هذا الملف كأداة تعبئة سياسية، تربطه بضغط على الخدمات العامة وسوق العمل وقضايا الأمن الاجتماعي، مما يجعله أحد أبرز محاور الاستقطاب في الخطاب الانتخابي الراهن.
إلى جانب ذلك، تظهر محاولات لربط بعض التوتر السياسي الداخلي بمواقف الحكومة من السياسة الخارجية، خصوصا بعد تبني مدريد مواقف أكثر نقدا تجاه إسرائيل واعترافها بدولة فلسطين في عام 2024. غير أن تحليل بنية الصراع الداخلي يشير إلى أن هذا العامل، رغم حضوره الرمزي في الخطاب الإعلامي، لا يشكل محورا بنيويا في ديناميات الضغط السياسي مقارنة بالاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والتحالفات البرلمانية، بل يظل أقرب إلى عنصر تعبوي يستخدم في سياق الاستقطاب العام.
وتكشف مراجعة هذا المشهد أن العديد من السرديات المتداولة إعلاميا تمزج بين وقائع فعلية مثل الاحتجاجات الاجتماعية والضغوط السياسية، وبين قراءات تأويلية تميل أحيانا إلى تضخيم بعض الملفات أو إخراجها من سياقها المؤسساتي، بما يساهم في إعادة إنتاج صورة أكثر حدة للصراع مما يعكسه الواقع البرلماني الفعلي.
ولا يبدو المشهد السياسي الإسباني متجهاً نحو انفجار حكومي وشيك بقدر ما يعكس حالة استنزاف سياسي طويلة الأمد داخل نظام تعددي معقد. فاستمرار الحكومة أو تراجعها يبقى مرهونا بقدرتها على إدارة شبكة دقيقة من التحالفات الإقليمية، والتكيف مع الضغوط الاجتماعية المتصاعدة، والحفاظ على توازن هش داخل البرلمان، في حين تبقى المعارضة في موقع ضغط مستمر أكثر من كونها في موقع قدرة حاسمة على إعادة تشكيل السلطة.
ومع استمرار تفاعل هذه العوامل، يظل مستقبل حكومة Pedro Sánchez مفتوحا على سيناريوهين رئيسيين: إما استمرار إدارة برلمانية تفاوضية تقوم على تحالفات متغيرة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، أو دخول مرحلة إعادة تموضع سياسي قد تفضي إلى انتخابات مبكرة إذا ما تآكلت القدرة على ضبط توازنات التحالفات الإقليمية أو تصاعدت الضغوط الاجتماعية إلى مستوى يفوق قدرة الحكومة على الاحتواء.
ختاما، وفي ضوء طبيعة المشهد السياسي الإسباني وتعقيد توازناته، يمكن استخلاص مجموعة من الاعتبارات العملية التي تبدو حاسمة في قدرة حكومة Pedro Sánchez على الحفاظ على استمراريتها السياسية. أولها يتمثل في ضرورة تعزيز إدارة التحالفات البرلمانية بوصفها بنية حكم دائمة” وليست مجرد تفاهمات ظرفية، بما يتطلب استباق نقاط التوتر مع الأحزاب الإقليمية عبر تفاوض مستمر ومنظم يحد من احتمالات الانسحاب المفاجئ أو إعادة التموضع السياسي. ثانيها يرتبط بملف السياسات الاجتماعية، حيث يشكل التعامل مع أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة عاملا مركزيا في تحديد المزاج العام، ما يستدعي سياسات أكثر سرعة ووضوحا في النتائج القابلة للقياس، خصوصا لدى الفئات الشابة الأكثر تأثرا.
كما أن إدارة الخطاب العام تمثل عنصرا لا يقل أهمية، إذ إن الاستقطاب السياسي المتصاعد يجعل من كل ملف حكومي مادة قابلة للتأويل السياسي والإعلامي. لذلك فإن تقليل المساحات الرمادية في التواصل الحكومي، وتقديم سردية متماسكة حول أولويات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، يمكن أن يحد من قدرة المعارضة على إعادة تأطير السياسات الحكومية بوصفها أزمات بدلا من حلول. وفي موازاة ذلك، يظل ضبط العلاقة بين المؤسسات القضائية والفضاء السياسي ضرورة أساسية للحفاظ على مستوى من الثقة العامة يقلل من تأثير الملفات القضائية في إعادة إنتاج الأزمات السياسية.
أخيرا، فإن الحفاظ على توازن دقيق بين الالتزامات الداخلية والخيارات الخارجية، دون السماح بتحول السياسة الدولية إلى عنصر استقطاب داخلي، يبقى جزءا من معادلة الاستقرار السياسي. فنجاح الحكومة في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على قدرتها على إدارة البرلمان، بل على قدرتها على تحويل هذا التعقيد السياسي إلى إدارة فعالة للتعدد بدل أن يتحول إلى مصدر دائم للاهتزاز.





