في المجتمعات التي تفشل في بناء الإنسان المواطن، تتكاثر الهويات الضيقة بوصفها ملاذاً للخوف والعجز والارتياب. وحين يضعف الوعي الوطني الجامع، تنبعث الطائفية من رماد التاريخ لا باعتبارها هويةً ثقافية، بل كآلية دفاع نفسي ومعرفي تُعيد إنتاج الانقسام والكراهية. فالطائفية ليست مجرد اختلافٍ في الانتماء، بل هي انغلاقٌ في الرؤية، وعجزٌ عن إدراك الإنسان خارج حدود الجماعة، وتحويلٌ للهوية من فضاءٍ للتعارف إلى جدارٍ للعزل والإقصاء.
إنّ التعصب الطائفي لا يمكن فهمه بوصفه شكلاً من أشكال التماسك الاجتماعي، بل ينبغي النظر إليه باعتباره أحد أكثر أشكال القبح المعرفي والعاطفي خطورةً؛ لأنه يشوّه بنية الوعي الجمعي، ويقوّض إمكانات العيش المشترك، ويحوّل الوطن إلى ساحة تنازع بين الجماعات لا فضاءً جامعاً للمواطنة. فكلّما احتكم الإنسان إلى عصبيته الضيقة، تقلّص أفقه الإنساني، واتسعت داخله مساحات الريبة والتمييز والكراهية.
ومن هنا، لا تعبّر الطائفية عن قوة الهوية، بل عن هشاشتها؛ لأنها ليست انفتاحاً على الذات، بل انكماشٌ داخل قوقعة الخوف. إنها هروبٌ من مسؤولية التفكير الحر إلى يقين الجماعة المغلقة، ونكوصٌ إلى ما وصفه عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ بـ”الظلّ الجمعي”، أي ذلك المخزون اللاواعي الذي تتراكم فيه نوازع التعصب والعدوان، وتتحوّل فيه الجماعة إلى مرآةٍ تعكس أسوأ ما في النفس البشرية من خوفٍ وتوحش وإقصاء.
وقد أدرك المفكر المصري عبد الوهاب المسيري هذه المعضلة بعمق، حين رأى أنّ الطائفية تُنتج “نظاماً مغلقاً” يُصادر حرية الإنسان الداخلية، ويحوّله من ذاتٍ قادرة على الاختيار إلى كائنٍ مسجون داخل انتماءاته الموروثة. فالفرد الطائفي لا يرى العالم بوصفه فضاءً للتعدد والتأويل، بل باعتباره حقيقةً جاهزة مكتملة، تُختزل فيها الحياة إلى شعارات، ويُختزل الإنسان إلى بطاقة تعريف مذهبية أو عرقية. وهنا تتحول الطائفية من مجرد انحياز اجتماعي إلى أزمة معرفية عميقة، لأنها تقوم على ثنائيات حادة: “نحن” و”هم”، “الحق المطلق” و”الباطل المطلق”، بما يلغي إمكان الحوار ويصادر التعقيد الإنساني الخلاق.
أما إدوارد سعيد، فقد رأى في الطائفية شكلاً من “الانتماء التبسيطي” الذي يختزل الإنسان في هوية أحادية جامدة، ويمنعه من الانفتاح على غنى التجربة الإنسانية. فالهوية، في معناها الحضاري، ليست سجناً مغلقاً، بل سيرورة تشكّل مستمرة، تتغذّى من التفاعل والتعدد والتجاوز. غير أنّ الطائفية تُحوّل الهوية إلى قيدٍ نفسيّ وثقافي، وتجعل الإنسان أسير سردية ضيقة ترى في الآخر تهديداً دائماً لا شريكاً في الوطن والوجود.
ومن منظورٍ وجوديّ، اعتبر جان بول سارتر أنّ “الانتماء الأعمى” ليس سوى شكلٍ من أشكال “سوء الإيمان”، أي هروب الإنسان من حريته ومسؤوليته الفردية، عبر الاحتماء بهويات جاهزة تُعفيه من عناء التفكير والاختيار. فالطائفي لا يفكّر بوصفه فرداً حراً، بل بوصفه صدىً للجماعة، ولهذا يغدو التعصب شكلاً من أشكال الاستقالة العقلية، حيث يتنازل الإنسان عن وعيه النقدي مقابل شعور زائف بالأمان والانتماء.
وفي السياق ذاته، يذهب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى أنّ الهوية الإنسانية لا تُبنى إلا عبر “الهوية السردية”، أي من خلال قدرة الذات على إعادة تأويل نفسها عبر علاقتها بالآخر. ولذلك فإنّ الطائفية ليست فقط عداءً للآخر، بل خيانة للذات نفسها، لأنها تحرمها من إمكان التوسع والتجاوز والتجدد.
وفي مقابل هذا الانغلاق، لا يمكن للوطنية الحقيقية أن تُبنى على التجانس القسري أو العصبيات المغلقة، بل على الاعتراف بالتعدد داخل إطار المواطنة الجامعة. فالوطن ليس طائفةً كبرى، ولا تحالفاً هشاً بين جماعات خائفة، بل عقدٌ أخلاقيّ يقوم على المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية. ولهذا أكّد المفكر السوري جورج طرابيشي أنّ “الطائفة لا تنتج دولة، بل تعيد إنتاج نفسها”، لأن الدولة الحديثة لا تقوم إلا على مفهوم المواطن الحرّ، لا على الولاءات الأولية الضيقة.
إنّ الوطنية، في معناها العميق، ليست مجرد انتماء جغرافي، بل وعيٌ أخلاقيّ وتاريخيّ يجعل الإنسان قادراً على رؤية نفسه في الآخر، لا في مرآة الجماعة وحدها. ومن هنا يصبح التعايش ضرورةً وجودية، لا مجرد تسوية سياسية مؤقتة. فالأوطان التي تُدار بمنطق الطوائف تظلّ معلقة على حافة الاحتراب، لأن العصبية لا تنتج استقراراً، بل هدنة مؤقتة بين مخاوف متقابلة.
ولهذا فإنّ مواجهة الطائفية لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل بإعادة بناء الوعي ذاته: تحرير العقل من دوغمائية “نحن” و”هم”، وتحرير العاطفة من خطاب الكراهية، وتأسيس التربية على مفهوم الإنسان المواطن لا الإنسان التابع. فلا نهضة ممكنة داخل مجتمعٍ يُربّى أفراده على الخوف من الاختلاف، لأن الاختلاف ليس تهديداً للحقيقة، بل أحد شروطها الإنسانية.
وقد لخّص نيلسون مانديلا هذه الرؤية الإنسانية العميقة حين قال: “يتعلّم الإنسان الكراهية، ويمكنه أن يتعلّم الحب أيضاً”. فالتعصب ليس قدراً أزلياً، بل بناءٌ ثقافيّ يمكن تفكيكه عبر التربية والعدالة والانفتاح والحوار.
إنّ الطائفية ليست سوى قيدٍ داخليّ يُكبّل الروح الوطنية ويمنع تشكّل الدولة الحديثة. ولذلك فإنّ معركة الوعي الوطني تبدأ من تحرير الإنسان من هذا القيد، ومن إعادة الاعتبار لقيم المواطنة والعدالة والأخلاق المدنية. فحين يتحرّر العقل من قبح التعصب، يصبح الوطن ممكناً، ويغدو الإنسان قادراً على أن يرى في اختلاف الآخرين امتداداً لإنسانيته لا تهديداً لها.
وحين تنتصر الأنسنة على العصبية، والوعي على الغريزة، والمواطنة على الطائفة، عندها فقط يولد الوطن الحقيقي؛ وطنٌ لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بطائفته أو نسبه أو مذهبه، بل بقدر ما يحمله من وعي وحرية وكرامة ومسؤولية تجاه الحياة والآخرين.









