في فلسطين، لا أحد يتأخر عن العمل… لأن العمل نفسه لا يصل أصلًا في موعد محدد.
وفي العيد، يتأخر كل شيء إلا الشعور العام بأننا ما زلنا في منتصف الطريق، رغم أننا لا نعرف بالضبط إلى أين.
ثالث أيام العيد، والناس تحاول أن تمارس حياة طبيعية بشجاعة مبالغ فيها، كأنها تمارس طقسًا يوميًا من الإنكار الجميل، وكأنها تقول للواقع: “سنعيش رغمك ولو اضطررنا أن نضحك عليك وأنت تنظر إلينا”.
نحن لا نعيش في دولة مكتملة… نحن نعيش في نسخة تجريبية دائمة،
كل صباح فيها تحديث جديد،
لكن المفاجأة الوحيدة الثابتة: لا شيء يتحسن، فقط يتغير شكل الانتظار.
المسؤول في بلادنا يشبه معلّقًا محترفًا على مباراة لا تنتهي:
يشرح لنا لماذا التعادل إنجاز
ولماذا الهزيمة تحتاج صبرًا وطنيًا،
ولماذا الجمهور يجب أن يصفق لأنه ما زال موجودًا في المدرجات أصلًا.
أما النخبة السياسية، فهي تعيش في طبقة أعلى من الواقع،
طبقة لا يدخلها المواطن إلا عبر “تحليل عميق جدًا”،
حيث تتحول أبسط أزمة إلى ملف مركّب،
والملف المركّب إلى لجنة،
واللجنة إلى توصية،
والتوصية إلى جملة واحدة خالدة: “نحن نتابع”.
المتابعة في هذا البلد ليست إجراءً… بل هوية.
المواطن بدوره تطوّر بشكل يفوق كل التوقعات:
أصبح يفهم الدولة من عدد مرات تكرار كلمة “قريبًا”،
ويقرأ الاقتصاد من شكل الصمت بعد كل تصريح،
ويشعر بالاطمئنان عندما لا يفهم شيئًا… لأن الفهم هنا غالبًا مقدمة لخبر غير سار.
في العيد، المفارقة تصبح أكثر صفاءً وقسوة في آن واحد:
الناس تضحك كي لا تشرح وجعها للضيوف،
وتصمت كي لا تفسد الطاولة بحقائق لا تصلح للتهنئة،
وتعيش كأنها تؤدي دور “الحياة الطبيعية” في مسرح لا نص فيه مكتمل.
أما السياسة، فهي تبتسم دائمًا…
لكنها ابتسامة موظف يعرف أن الملف لن يُفتح اليوم ولا غدًا، وربما لن يُغلق أصلًا، لكنه سيبقى “قيد الدراسة” حتى إشعار آخر.
وفي الخلفية، هناك طبقة محترفة جدًا من إدارة الانطباع:
تُتقن تحويل التأجيل إلى حكمة
والأزمة إلى سياق
والتعطّل إلى ضرورة وطنية
والانتظار إلى أسلوب حياة.
وفي هذه اللغة الناعمة، يضيع الفرق بين ما هو واقع وما هو توصيف للواقع،
حتى يصبح الوطن أقرب إلى نص طويل يُكتب باستمرار… دون أن يصل إلى نقطة النهاية.
أما الفساد الذكي، فلا يحتاج إلى أبواب رئيسية في مثل هذا المشهد.
يكفيه باب صغير اسمه “الاستثناء”،
يدخل منه بهدوء،
ثم يتحول مع الوقت إلى “قاعدة”،
ثم إلى “واقع لا يمكن تغييره الآن”،
ثم إلى “جزء من المشهد العام الذي يجب التعايش معه”.
وفي هذه الدائرة، لا أحد يسأل كيف بدأ كل شيء…
لأن الجميع منشغل بشرح كيف أصبح كل شيء كما هو.
المواطن في المقابل، هو الكائن الوحيد الذي لم يُدعَ إلى طاولة التفسير،
لكنه يُطلب منه دائمًا أن يدفع الفاتورة كاملة:
فواتير الحياة
وفواتير الصبر
وفواتير “التفهم الوطني للظروف”.
وفي العيد تحديدًا، يبدو كل شيء جميلًا على السطح…
لكن تحت هذا الجمال، هناك وطن يعمل بنظام غريب جدًا:
يُدار بالكلمات أكثر مما يُدار بالأفعال،
ويُقاس بالتصريحات أكثر مما يُقاس بالنتائج،
ويُؤجَّل فيه الحسم إلى زمن لا يأتي.
لكن أكثر ما في المشهد سخرية ليس الفشل…
بل القدرة المستمرة على إعادة تفسيره كأنه شكل من أشكال الاستقرار.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا كابتسامة غير مكتملة:
هل نحن نعيش دولة تُدار…
أم نعيش طريقة أنيقة جدًا لشرح لماذا لا تُدار الدولة؟
والجواب، كعادته هنا…
قيد المتابعة.
قريبًا جدًا.







