السياسي – قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات في دول مجلس التعاون الخليجي شنت حملة اعتقالات واسعة النطاق طالت أكثر من ألف شخص، على خلفية منشورات ومحتوى رقمي مرتبط بالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، وما تلاها من تصعيد إقليمي وتبادل للهجمات، في خطوة اعتبرتها المنظمة جزءاً من سياسة أشمل لتقييد تدفق المعلومات وإخضاع الفضاء الرقمي لرقابة مشددة.
ووفق التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية، شملت الحملة دول الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، حيث جرى توقيف مئات الأشخاص بدعوى نشر “شائعات” أو “معلومات مضللة” أو تداول محتوى غير موثوق عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التعبير عن مواقف سياسية أو إنسانية تجاه أطراف النزاع.
وأشار التقرير إلى أن السلطات الخليجية أصدرت، عقب اندلاع الحرب، تحذيرات رسمية واسعة النطاق تحظر تداول أي محتوى غير صادر عن مصادر رسمية، وهو ما أعقبه ـ بحسب المنظمة ـ تنفيذ موجات اعتقال واحتجاز شملت صحفيين ونشطاء ومواطنين ومقيمين، في إطار ما وصفته المنظمة بأنه “تقييد واسع وغير متناسب لحرية التعبير”.
وفي السياق ذاته، لفتت المنظمة إلى أن بعض الدول، وعلى رأسها الكويت والبحرين، لجأت إلى إجراءات إضافية شملت إسقاط الجنسية عن عدد من المواطنين، في خطوة قالت إنها تعمّق مناخ الخوف وتدفع نحو مزيد من الرقابة الذاتية داخل المجتمع.
وأفاد التقرير بأن جزءاً من التهم الموجهة للموقوفين شمل “تمجيد جهات معادية” أو “نشر أخبار كاذبة” أو تداول مقاطع مصوّرة للهجمات أو آثارها، بما في ذلك محتوى نُشر عبر الإنترنت أو أُعيد تداوله من مصادر إعلامية أو من إنتاج مستخدمين عاديين.
كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن المحاكم في بعض الدول أصدرت أحكاماً بالسجن تراوحت بين ثلاث وعشر سنوات في قضايا مرتبطة بالنشر الرقمي، معتبرة أن عدداً من هذه المحاكمات جرى “على عجل” وبمستويات متفاوتة من ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك تقييد حق المتهمين في الاستعانة بمحامين خلال مراحل التحقيق.
وتحدثت المنظمة عن استخدام واسع لقوانين الجرائم الإلكترونية ومكافحة الإرهاب والأمن الوطني، التي وصفتها بأنها تتضمن “صياغات فضفاضة”، ما يتيح ـ بحسب التقرير ـ توسيع نطاق التجريم ليشمل أشكالاً من التعبير السلمي.
من جانبها، أكدت المتحدثة الإقليمية باسم منظمة العفو الدولية أن القيود المفروضة “لا تتوافق مع معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان”، مشددة على ضرورة أن تكون أي إجراءات تتعلق بالأمن الوطني “ضرورية ومتناسبة ومحددة بدقة في القانون”.
وتعكس هذه التطورات تصاعد التوتر بين اعتبارات الأمن القومي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبين التزامات حرية التعبير، في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها تداعيات الحرب مع إدارة الفضاء الإعلامي والرقمي.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى “تآكل تدريجي في المجال العام”، وتراجع قدرة المواطنين والمقيمين على التعبير عن آرائهم، لا سيما في القضايا السياسية والأمنية، ما يعمّق حالة الغموض حول الأحداث الجارية في المنطقة، ويحد من تدفق المعلومات المستقلة.
وفي المقابل، تؤكد الحكومات الخليجية في بيانات سابقة أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار حماية الأمن الوطني ومكافحة الشائعات والمعلومات المضللة، وضبط الفضاء الإلكتروني بما يحول دون إثارة الفوضى أو تهديد الاستقرار الداخلي خلال فترات الأزمات.
تأتي هذه التطورات الحقوقية في سياق إقليمي شديد التوتر، أعقب اندلاع الحرب الأمريكية- ـ الإسرائيلية على إيران، والتي بدأت بعد سلسلة من الضربات المتبادلة والتصعيد العسكري بين الطرفين، في إطار مواجهة إقليمية اتسعت تدريجياً لتشمل ساحات متعددة في المنطقة.
وتقول الحكومات الخليجية إن هذه الإجراءات تأتي في إطار حماية الأمن الوطني وضبط الاستقرار الداخلي خلال مرحلة إقليمية حساسة، بينما ترى منظمات حقوقية أن هذا التوسع في الإجراءات الأمنية ترافق مع تضييق متزايد على حرية التعبير، شمل مراقبة المحتوى الرقمي، واعتقال مستخدمين على خلفية منشورات اعتُبرت “مخالفة” أو “مسيئة” أو “غير دقيقة”.
وبين تصاعد المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتنامي المخاوف الخليجية من امتداد تداعيات الحرب إلى الداخل، يتزايد الجدل حول حدود التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحقوق التعبير في زمن الأزمات، في منطقة بات فيها الفضاء الرقمي جزءاً من ساحة الصراع السياسي والأمني.








