هارتس
وجدت إسرائيل ودول الخليج نفسها أسيرة لما يمكن تسميته بـ”معادلة الردود” التي تديرها إيران في مواجهتها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهي معادلة تذكّر بتلك التي كان حزب الله يديرها في مواجهته مع إسرائيل على مدى سنوات.
فقد هاجمت إيران أمس مطار الكويت الدولي وأطلقت صواريخ باتجاه البحرين، وذلك بعد أن استهدفت قوات أمريكية مواقع في جزيرة قشم الإيرانية الواقعة في الخليج الفارسي. وإذا كانت إيران قد بررت في بداية الحرب هجماتها على دول الخليج بأنها تُستخدم كقواعد انطلاق للهجمات الأمريكية ضدها، فإن بيان الحرس الثوري هذه المرة أكد أن “الهجوم جاء ردًا على العدوان الأمريكي السافر ضد السيادة الإيرانية”. أي أنه لم يُقدَّم على أنه “دفاع مشروع عن النفس” في حرب وجودية، بل كرد تكتيكي ضمن سياسة عدم الاحتواء التي تنتهجها طهران.
الكويت، التي تعرضت لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، في حجم لم يفوقه إلا ما تعرضت له الإمارات العربية المتحدة، ما زالت تحافظ على علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران، واكتفت أمس بطرد اثنين من موظفي السفارة الإيرانية على أراضيها بشكل فوري.
أما بقية دول الخليج فقد اكتفت بإصدار إدانات شديدة اللهجة، في حين أن الولايات المتحدة لا تزال لا تعتبر تبادل الضربات شبه اليومي هذا بمثابة “انهيار” لوقف إطلاق النار. ووفقًا لترامب، فإن المفاوضات الدبلوماسية ما زالت مستمرة، وذلك عبر رسائل تُنقل من خلال وسطاء، وفي مقدمتهم باكستان. غير أن إيران نفت هذه الرواية.
في هذه المرحلة، تحاول الولايات المتحدة وإيران الحفاظ على ردود تكتيكية محسوبة ومحدودة، تُوصف بأنها “ردع منخفض الحدة”. ويتجلى ذلك في عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المستخدمة، وطبيعة الأهداف التي يتم استهدافها، وتجنب إلحاق أضرار جانبية بالبنى التحتية الحيوية مثل منشآت تحلية المياه، وذلك بهدف منع أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تدهور العلاقات بين الطرفين نحو حرب شاملة.
ولا تهدف هذه السياسة فقط إلى فرض ثمن على كل خطوة أمريكية وإظهار الحزم والتمسك بالمواقف، بل تسعى أيضًا إلى تحديد “تعرفة” للوقت الذي يمر من دون التوصل إلى حل سياسي.
ويختلف وضع الكويت عن وضع الإمارات العربية المتحدة والسعودية. فرغم أنها تستضيف قواعد أمريكية محدودة تضم وسائل التزود بالوقود جواً وخدمات الصيانة التابعة للقيادة المركزية الأمريكية، وسمحت باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، فإنها لا تُصنف ضمن ما يُعرف بـ”المحور الإسرائيلي” كما هو حال أبوظبي، ولا تُعتبر “شقيقة أمريكية” كما تُوصف السعودية.
وعلى الرغم من أن الكويت تحمل منذ عام 2004 صفة “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو”، شأنها شأن قطر والإمارات، فإنها حرصت على الحفاظ على علاقات متوازنة ومحايدة مع إيران ومع بقية دول الخليج. ويبدو أن طبيعة الهجوم الإيراني المحدود على الكويت استندت إلى تقدير إيراني مفاده أن مثل هذا الهجوم لن يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق ضرباتها بما يؤدي إلى نسف فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية. وفي الوقت نفسه، فإن هذه السياسة تحمل رسالة مقلقة إلى بقية دول الخليج.
ويخدم عامل عدم اليقين حاليًا المصالح الإيرانية أيضًا، إذ تحاول طهران فرض ثمن متزايد على مرور الوقت من دون حل سياسي.
فبعد الهجمات الواسعة التي تعرضت لها دول الخليج، والتي أسقطت الاعتقاد السائد بأن إيران ستتجنب مواجهة مباشرة وعنيفة مع جيرانها، فإن خريطة الأهداف التي تختارها طهران قد تكشف عن نواياها واستعدادها لشد الحبل إلى حد الوصول إلى حرب شاملة.
ومع ذلك، تواصل هذه الدول – وخاصة السعودية وقطر وعُمان – اتباع سياسة الاحتواء والضغط على الولايات المتحدة لدفع المسار السياسي إلى الأمام. كما كانت من بين الدول التي أثرت على ترامب لتقييد العمليات الإسرائيلية في لبنان، استجابة للمطلب الإيراني، بهدف إزالة هذه العقدة المتفجرة من مسار المفاوضات الدبلوماسية.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: فدول الخليج تتوقع من الولايات المتحدة أن تحميها من الهجمات الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه تدعو إلى ضبط النفس وتكتفي بإدانة الهجمات التي تتعرض لها “الدول الشقيقة”.
وقد يشعر قادة هذه الدول بالارتياح إزاء الخلاف الصاخب والحاد الذي نشب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد يقدّرون بسهولة أن تأثير نتنياهو في دوائر صنع القرار في البيت الأبيض يتراجع بشكل ملحوظ. لكنهم لا يستطيعون الجزم بأن تراجع مكانة نتنياهو سيمنحهم تلقائيًا نفوذًا أكبر في قرارات الرئيس الأمريكي.








