الرجوب: لن نهاجر وعلى فتح مراجعة ذاتها وقيادة المرحلة المقبلة

عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” الفريق جبريل الرجوب في لقاء خاص مع “ے”

وحدة الوطن أولوية.. و”فتح” مطالبة بمراجعة ذاتها وقيادة المرحلة المقبلة

–     لن نهاجر ولن نستسلم ولن نفكك مؤسسات السلطة والمقاومة الشعبية اليوم الأكثر تأثيراً

–     إذا لم تتحقق الوحدة الوطنية فلن يحترمنا أحد ولن يكون لنا مكان في التاريخ

–     فلسطين ما زالت العنصر الثابت على جدول أعمال العالم والإنسان أقدس ما نملك

–     عظمة هذا الشعب تتجسد في إصراره على الصمود والبقاء فوق رمال غزة

‫- المستوطن الذي يعتدي علينا يجب ألا يفلت من العقاب الدولي وأن يُحاكَم أمام الجنائية الدولية

 

رام الله- مهند ياسين- في أول إطلالة مطولة له بعد المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، يقدم الفريق جبريل الرجوب قراءة شاملة لمخرجات المؤتمر، والجدل الذي رافقه، والتحديات التي تواجه الحركة والقضية الفلسطينية في مرحلة يصفها بأنها من أكثر المراحل حساسية في التاريخ الوطني الفلسطيني. ويتحدث عن الحاجة إلى مراجعة آليات تشكيل المؤتمرات، وإعادة بناء الوحدة الداخلية، وتطوير النظام التنظيمي بما ينسجم مع التحولات السياسية والتنظيمية التي شهدتها الحركة خلال العقود الماضية.

وفي حوار خاص مع “ے”، يتحدث الرجوب بصراحة عن المؤتمر الثامن لحركة فتح، ومستقبل الحركة، وملفات الوحدة الوطنية والانتخابات والمفصولين، كما يطرح رؤيته للتحديات الوطنية والإقليمية، ولمعركة فلسطين السياسية والرياضية على الساحة الدولية، مؤكداً أن الوحدة الوطنية وصمود الفلسطينيين يمثلان مفتاح العبور نحو المرحلة المقبلة. وفيما يلي نص المقابلة:

 

أهداف المؤتمر معيار التقييم

*المؤتمر الثامن أحدث جدلاً قبل انعقاده وبعده، سواء من حيث معايير اختيار الأعضاء أو آلية تشكيل المؤتمر، فيما رأى البعض أن المرشحين اختاروا الناخبين وأن المخرجات لم تكن بحجم التوقعات. كيف تردون على هذه الانتقادات؟

ج: لا أعرف ما هو الجدل الذي يقال إنه سبق المؤتمر أو تلاه. بالنسبة لي، يُقاس نجاح المؤتمر بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف: الهدف الوطني، والهدف التنظيمي، وقدرة الحركة على مواءمة مخرجاتها السياسية والنضالية والتنظيمية مع دورها التاريخي في المشروع الوطني، بما يحافظ على العقيدة الفتحاوية التي جعلت من الحركة، وهي اليوم في عقدها السابع، الحركة المحورية في المشروع الوطني.

هناك تقاليد ونظام داخلي ارتبطا بجيل المؤسسين من أمثال ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وأبو يوسف النجار. ونحن نرى أنفسنا امتداداً لهذا الجيل، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تقييم ومراجعة واستخلاص للعبر، بما يحافظ على هذا الإرث، ويضمن بقاء الحركة قادرة على خلق الالتفاف لدى أوسع قاعدة شعبية فلسطينية في الوطن والشتات.

 

تطوير آليات المؤتمر

أما الحديث عن أن المرشحين اختاروا الناخبين فأراه غير دقيق، لأن تشكيل المؤتمر محكوم بالنظام الداخلي ومعايير تستند إلى الهيكل التنظيمي والمنظمات الشعبية والكفاءات والتمثيل النسبي لمختلف الأطر.

كنت أتمنى أن يُطرح نقاش أوسع حول آليات تشكيل المؤتمرات المقبلة بما ينسجم مع التحولات التي شهدتها الحركة، ورغم أن ذلك لم يُناقش بالشكل المطلوب، إلا أن هذا الملف سيكون على جدول أعمال اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

والهدف هو تطوير آليات تشكيل المؤتمر بما ينسجم مع تاريخ الحركة وإرثها الوطني، ويواكب المتغيرات السياسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير النظام السياسي عبر الانتخابات والعملية الديمقراطية، بحيث تبقى هذه العقيدة وهذا الفهم الوطني الأرضية المشتركة التي يتوحد عليها الفلسطينيون.

 

دور جيل المؤسسين

* لم يناقش المؤتمر البرامج والخطط بالقدر الكافي، وتركّز الاهتمام على الأشخاص والانتخابات أكثر من مراجعة المراحل السابقة. لماذا غابت هذه القضايا عن أعمال المؤتمر؟

هذا كلام صحيح للأسف. لكن عصب المؤتمر ظل يتمثل في جيل المؤسسين، وكان لأبناء الستينيات تأثير واضح في المخرجات التنظيمية والسياسية والنضالية. كما أن الإجماع على برنامج المجلس الوطني لعام 1988، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة، عكس استمرار تأثير هذا الجيل وأمانته على المسيرة الوطنية.

كما كانت استجابة الأجيال الجديدة والشباب مهمة بالنسبة لنا، لأن فتح لا تتحرك فقط في الدائرة التنظيمية، بل أيضاً في الدوائر الوطنية والإقليمية والدولية، وتصر على أن تبقى شريكاً استراتيجياً في إقامة الدولة الفلسطينية.

من مخرجات المؤتمر أن الصدام مع الاحتلال ما زال خيارنا الاستراتيجي كما كان منذ عام 1965. لكننا نرى أن المقاومة الشعبية الشاملة، بأبعادها الاجتماعية والسياسية والجغرافية، هي اليوم الأداة الأكثر قدرة على محاصرة الاحتلال وإقناع المجتمع الدولي بأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هي شرط الاستقرار الإقليمي والسلام.

 

مراجعة وتطوير

أما تنظيمياً، فقد جرت الانتخابات بأعلى درجات الشفافية والنزاهة، ولأول مرة أشرف عليها قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، ومن حق الفتحاويين أن يعتزوا بهذا المؤتمر ومخرجاته.

وفي الوقت نفسه، فإن المدخلات والمخرجات بحاجة إلى تقييم، خاصة ما يتعلق بالعضوية وآليات تشكيل المؤتمر. فالنظام الحالي وُضع في مرحلة العمل السري، بينما نحن اليوم أمام واقع وتحديات مختلفة تستوجب المراجعة والتطوير.

تقع على عاتق اللجنة المركزية والمجلس الثوري مسؤولية مراجعة آليات عمل اللجنة التحضيرية واختيار الأعضاء، بحيث تتم المشاركة وفق معايير واضحة ومتفق عليها، قائمة على الكفاءة والموقع والقدرة التعبيرية، لا على الولاء أو العلاقة الشخصية.

وأتمنى أن يكون النقاش مفتوحاً أمام الأقاليم والأطر التنظيمية والمنظمات الشعبية والمؤسسات الفتحاوية، وصولاً إلى نظام واضح يضمن استمرار قدرة الحركة على قيادة مشروعنا الوطني وحمايته.

 

ثلاثة مخرجات رئيسة

* هل خرج المؤتمر برؤية سياسية جديدة، أم أنه ركّز أكثر على ترتيب البيت الفتحاوي؟

المؤتمر خرج بثلاثة مخرجات رئيسة: مخرجات سياسية تتعلق بالدولة الفلسطينية ومستقبل المشروع الوطني، ومخرجات فكرية ونضالية تتعلق بشكل الصدام مع الاحتلال وآليات إدارة الصراع معه، ومخرجات تنظيمية ترتبط بالانتخابات وعدد من القرارات المتعلقة بوضعنا الداخلي، وعلاقتنا مع شعبنا، ومع بقية فصائل العمل الوطني الفلسطيني.

 

التحدي الفتحاوي أولاً

* “فتح” اليوم أمام تحديات أكبر من أي وقت مضى، في ظل الانقسام الداخلي، وتصاعد الاستيطان، واستمرار الحرب على غزة، والاعتداءات المتواصلة على الأرض والمقدسات، من مسجد النبي صموئيل إلى محاولات تقييد الأذان والتكبيرات في القدس وأراضي الـ 48. كيف تواجهون هذه التحديات، وهل ما زال هناك أفق سياسي يمكن التعويل عليه؟

ج: نحن نواجه أربعة تحديات رئيسة، أولها التحدي الفتحاوي الداخلي. ففتح ما زالت الحركة الأكثر حضوراً وتأثيراً، وما زالت الوطنية الفلسطينية التي قامت عليها تمثل القاسم المشترك بين الفلسطينيين. ولذلك يتمثل التحدي في توحيد الحركة حول أهداف وآليات واضحة تستند إلى رؤية استراتيجية لدورها في المستقبل.

هناك إخوة لم يحالفهم الحظ في الانتخابات وتألموا من النتائج، وأنا أتفهم ذلك. لكن هذه هي الديمقراطية التي نؤمن بها، ويجب أن نحترم نتائجها والآراء المختلفة بروح المسؤولية.

أما التحدي الثاني فهو التحدي الوطني. فإذا لم تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية فلن يحترمنا أحد، ولن يكون لنا مكان في التاريخ. ومن هنا نحن كفتحاويين ملزمون بإنهاء الانقسام، لأننا “أم الولد”، فإما أن نحاصر الآخرين بأخلاقنا الوطنية أو نوفر لهم فرصة الانضواء تحت مظلة مشروع الدولة والاستقلال.

أي صيغة وطنية مستقبلية يجب أن تقوم على وحدة الوطن ووحدة النظام السياسي ووحدة مؤسسات الخدمات من رفح إلى جنين، واحترام التزامات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

الصدام مع الاحتلال ما زال خيارنا الاستراتيجي، لكننا نرى أن المقاومة الشعبية هي الأكثر قدرة وتأثيراً في هذه المرحلة. ونحن ذاهبون نحو سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد وأمن واحد، فلا مكان للميليشيات أو السلاح خارج إطار الشرعية الفلسطينية.

كما نريد بناء شراكة وطنية حقيقية عبر صندوق الاقتراع، فالسلطة ليست كعكة لتقاسمها بين القوى السياسية.

أتمنى من الجميع أن يقدموا أوراق اعتمادهم لجباليا والمغازي والقدس وبلاطة وطولكرم وجنين، لا لأي جهة خارج حدود الدولة الفلسطينية. وقد آن الأوان للخروج من مربع الفصيل إلى الفضاء الوطني الفلسطيني الأوسع القائم على أسس تؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

أما فيما يتعلق بالاستيطان والاعتداءات على الأرض والمقدسات، من مسجد النبي صموئيل إلى محاولات تقييد الأذان والتكبيرات في القدس وأراضي الـ 48، فإن صمود الفلسطينيين هو كلمة السر.

لن نغادر هذا الوطن، فالهجرة ليست خياراً، والاستسلام ليس خياراً، وتفكيك مؤسساتنا ليس وارداً. وصمودنا وتمسكنا بأرضنا يمثلان أساس المواجهة.

صبرنا وتحملنا كثيراً، لكنّ للصبر حدوداً. ولذلك يجب أن يكون هناك نقاش وطني جاد وخطة واضحة لمواجهة الاستيطان واعتداءات المستوطنين، والمستوطن الذي يعتدي علينا يجب أن لا يفلت من العقاب الدولي وأن يُحاكَم أمام محكمة الجنائية الدولية. أما نحن فلن نستسلم، ولن نبرح أرض الوطن.

 

تحدٍّ إقليمي قائم

* كيف تقيمون علاقة الفلسطينيين بعمقهم العربي والإقليمي في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة؟

هذا يمثل تحدياً آخر، وهو التحدي الإقليمي. للأسف نحن نتحمل جزءاً من المسؤولية بسبب سياسات وتكتيكات لم تكن موفقة بالشكل المطلوب، لكن ذلك لا يبرر للعرب التخلي عن مساعدتنا أو عن توفير أسباب الصمود للشعب الفلسطيني، الذي يقف في خط الدفاع الأول في مواجهة احتلال يستهدف الفلسطينيين والمنطقة وأمنها واستقرارها.

أعتقد أننا لم نحسن إدارة علاقتنا مع عمقنا الإقليمي بالشكل المطلوب، ولذلك نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية داخل حركة فتح حول الأسس التي نبني عليها هذه العلاقات. فالتبعية ليست جزءاً من سياستنا، لكننا نؤمن بالاستقلالية القائمة على الاحترام المتبادل ومنطق الندية.

وإذا نجحنا في بناء حالة من الانسجام مع محيطنا العربي والإقليمي، فإن ذلك سيشكل رافعة حقيقية في مواجهة التحديات التي نعيشها. وقد أثبتت التجربة أننا استطعنا الحفاظ على علاقاتنا مع عمقنا العربي حتى في أصعب الظروف، ولذلك لا بد من مصارحة داخلية حول أسس إعادة صياغة هذه العلاقة.

أتمنى من أشقائنا العرب أن يهبوا لنصرة الشعب الفلسطيني. فما جرى في غزة وما يجري في الضفة والقدس يهدف إلى نفي فلسطين أرضاً وشعباً وتاريخاً وفرض التهجير على شعبنا.

لكن هذا لن يحدث. لن نهاجر، ولن نستسلم، ولن نفكك مؤسساتنا الوطنية ومؤسسات السلطة الفلسطينية. ومن هنا أقول: يا عرب، هبوا لنصرة أهلكم وامتدادكم الطبيعي، فهذا واجب قومي وديني وإنساني.

نحن أيضاً مطالبون بإجراء مراجعة، فنحن لسنا طرفاً في الخلافات العربية ولا في أجندات الدول العربية المختلفة. وأعتقد أن نجاحنا في إعادة بناء هذه العلاقة سيشكل رافعة مهمة في تعاملنا مع العالم.

لذلك، أرى أن التحديات التنظيمية والوطنية والإقليمية والدولية يجب أن تكون على جدول أعمال اللجنة المركزية خلال المرحلة المقبلة. كما أننا نريد أن نتصرف بمنطق القيادة الجماعية، لأن مرحلة القيادة الفردية انتهت، ويجب أن يكون البديل قيادة جماعية تعمل وفق برنامج ورؤية واضحة وتخضع لرقابة المجلس الثوري.

 

 

مرشحون قادرون على الإقناع

* إذا جرت الانتخابات التشريعية والرئاسية، فكيف ستختار حركة فتح مرشحيها؟ وهل ستكون الآلية مشابهة لما جرى في المؤتمر الثامن؟

نعتبر أن من أولويات المرحلة الحالية تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك إجراء الانتخابات، على أن يسبق ذلك تحقيق وحدة الوطن وإنهاء الانقسام. ونحن نتحدث عن انتخابات تُجرى في كل الوطن وتفرز مجلساً تشريعياً ومجلساً وطنياً لكل الفلسطينيين، إلى جانب الانتخابات الرئاسية.

نريد أن نقدم مرشحين قادرين على تمثيل الحركة وإقناع المواطن الفلسطيني. وإذا أردنا النجاح في هذه المنافسة فعلينا أن نقدم شخصيات معبرة وجاذبة ومقنعة، مع مراعاة خصوصيات الجغرافيا الفلسطينية والشرائح الاجتماعية والسياسية المختلفة.

سنبحث عن الآليات التي تمكننا من تقديم شخصيات تمتلك برنامجاً واضحاً، وتستند إلى تاريخ الحركة وإرثها النضالي، وتتمتع بالقدرة على كسب ثقة المواطن. وفي النهاية هناك احتكام إلى الشعب الفلسطيني، وهذه مسؤولية جماعية تقع على عاتق اللجنة المركزية والمجلس الثوري والأطر التنظيمية كافة.

أولويتنا ستكون اختيار الأشخاص الأكثر قدرة على تمثيل الحركة وتحقيق النجاح في هذه الاستحقاقات. والمرحلة المقبلة يجب أن تشهد تجديداً لشرعية النظام السياسي على أسس ديمقراطية ومن خلال صندوق الاقتراع.

نحن نريد الانتقال إلى مرحلة تقوم على المؤسسات والضوابط والمسارات الواضحة، لأن المرحلة القادمة بحاجة إلى مؤسسات راسخة ومسار ديمقراطي يضمن المشاركة والمساءلة وتجديد الشرعيات.

 

غياب الوضوح

* ثمة جدل متزايد حول موقف حركة فتح من مخصصات أسر الشهداء والأسرى، كيف تنظرون إلى هذا الملف؟

لا أريد أن أبرر. فأنا عضو في اللجنة المركزية، لكن حتى هذه اللحظة لا أعرف كيف يُدار هذا الملف. وإذا كانت هناك ضغوطات دولية أو مطالب أو شروط، فلتُطرح بشكل واضح، ولنتخذ بشأنها قراراً، ولنتحدث مع شعبنا بصراحة.

أعتقد أن ملف الأسرى والشهداء يجب أن يكون مطروحاً أمام كل الفلسطينيين، وليس أمام جهة بعينها. وبالنسبة لي، كوني أسيراً سابقاً، فمن الطبيعي أن أكون متعاطفاً مع هذا الملف، لكنني أقول بصراحة إنني لا أعرف كيف أُدير هذا الموضوع، وآمل أن تكون هناك مراجعة حقيقية له.

كما يجب أن نسأل أنفسنا لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة، ولماذا لم نعالج هذا الملف في وقت سابق، رغم أننا كنا نملك القدرة على ذلك.

أما فيما يتعلق بالضغوطات الدولية، فأقول: أعطونا دولتنا أولاً، وبعد ذلك يمكن الحديث عن المستقبل. أما الماضي، فلا أستطيع أن أتصور أن يقبل أي فلسطيني بتجريم تاريخنا أو النضال الذي خاضه شعبنا على مدار عقود.

وإذا كان هناك أي توجه لمعالجة هذا الملف، فكان يجب أن يُطرح للنقاش العام داخل جميع المؤسسات الوطنية، وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاهه. أما حصر النقاش في دوائر ضيقة فقد خلق حالة من الغموض، وهذه الحالة مؤلمة لنا جميعاً.

 

عودة المفصولين ضرورة

* عودة المفصولين من حركة فتح ما زالت تثير جدلاً واسعاً، رغم الحديث سابقاً عن عودتهم. لماذا لم يُنفذ ذلك حتى الآن؟ وهل ما زالت هناك فرصة لإغلاق هذا الملف؟

كان يجب معالجة هذا الملف قبل انعقاد المؤتمر، وأعتقد أننا أخطأنا في ذلك. فهناك قرار صادر عن المجلس الثوري بالإجماع يقضي بعودة المفصولين إلى الحركة، لكن هذا القرار جرى تعطيله، وأرى أن ذلك كان خطأً استراتيجياً.

هذا الملف لا يحتاج إلى مساومات أو نقاشات طويلة. من لديه قضية منظورة أمام القضاء فليأتِ عبر المسار القانوني، أما ما عدا ذلك فيجب أن يعود إلى الحركة بكبريائه وكرامته، لأن أولوياتنا اليوم تقتضي العمل على لمّ شمل الحركة وفق أسس واضحة.

ولا أعتقد أن اشتراط تقديم أوراق أو طلبات خاصة للعودة يليق بحركة تمتلك هذا القدر من الكبرياء الوطني. فنحن نريد لهم أن يعودوا ويشاركوا في تحمل المسؤولية، وليس لدينا طبقات أو درجات عضوية داخل الحركة، وهذه إحدى قيم فتح ونقاط قوتها. وأقولها بوضوح: تعطيل تنفيذ قرار عودة المفصولين كان خطأً، ولم يكن أمراً صحيحاً.

 

تجاوز المرارة

* ماذا تقول لمن لم يحالفهم الحظ في الانتخابات، أو لمن وجهوا انتقادات للحركة وللمؤتمر، وكذلك لمن غابوا عن المؤتمر رغم اعتقادهم أنهم يستحقون الحضور؟

أتمنى على الجميع أن يتجاوزوا المرارة الشخصية، سواء كانت مبررة أو غير مبررة. فما جرى ترك أثراً وألماً لدى كثيرين، وأنا أدرك ذلك وأشعر به.

لكن في النهاية ليس لدينا إلا هذه الحركة، وليس لدينا إلا فتح، التي يجب أن تبقى امتداداً للرئيس الشهيد ياسر عرفات ولكل القادة الذين صنعوا هذه المسيرة وورثونا هذا المشروع الوطني.

ومهما كانت الملاحظات والانتقادات، فإن ما يجمعنا أكبر من الخلافات، وهذه الحركة يجب الحفاظ عليها وصون دورها الوطني. وأنا أتفهم مشاعر الكثيرين، لكن هذا ما حصل، وأتمنى أن نستخلص الدروس والعبر حتى لا تتكرر مثل هذه الإشكالات مستقبلاً.

 

رمزية مروان البرغوثي

* حصلتم على عدد مرتفع من الأصوات في المؤتمر، كيف تقرأون هذه النتيجة؟ وكيف تنظرون إلى تصدر الأسير مروان البرغوثي المشهد الانتخابي؟ وهل يشكل ذلك تفويضاً للقيادة الجديدة وتحدياً أمامها في المرحلة المقبلة؟

الأخ مروان البرغوثي كان خارج كل النصوص والحسابات التنظيمية المعتادة، فرمزيته ومكانته النضالية منحته هذا الوسام الذي يستحقه.

أما ما عدا ذلك، فكلنا متساوون بغض النظر عن عدد الأصوات أو ترتيب النتائج، ومتساوون أيضاً في حجم المسؤولية. وأتمنى أن تدرك اللجنة المركزية أن القيادة جماعية، والمسؤولية جماعية، وأن تبقى مصلحة شعبنا ودور الحركة في المشروع الوطني معيار الحكم على أدائنا.

كما يجب أن يكون التوافق المرتكز على الأطر التنظيمية واستراتيجية الحركة هو الأصل الذي يحكم عملنا، وأن تُحسم التباينات داخل اللجنة المركزية أو مع المجلس الثوري وقواعد الحركة بالحوار باعتباره الوسيلة الوحيدة لإنجاز التوافق.

بغض النظر عن التاريخ أو التجربة الشخصية لأي منا، فإننا متساوون في تحمل المسؤولية. والتجربة والتاريخ يجب أن يساعدانا على التعلم من بعضنا البعض والاستفادة من قدراتنا المختلفة بما يخدم الحركة ومشروعها الوطني.

في النهاية، نحن متساوون أمام النظام والقانون الداخلي للحركة، وكل ذلك يجب أن يقوم على قاعدة القيادة الجماعية والتوافق، لأن الإطار التنظيمي يجب أن يُدار بمنطق الحوار وليس بأي منطق آخر.

 

قضية حية ومؤثرة

* في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والتحديات الداخلية والخارجية المتصاعدة، ما هو موقع القضية الفلسطينية في المعادلة الإقليمية الجديدة؟

فلسطين قضية حيوية ومتحركة في كل زمان ومكان، وما زالت العنصر الثابت على جدول أعمال العالم. ومن هنا نحن مطالبون بتوظيف هذا الحضور الدولي لصالح طموحات شعبنا وتتويج تضحياته وصموده.

فالصمود في غزة والقدس والضفة ومخيمات الشتات، وحتى بين أبناء شعبنا في الأميركتين الشمالية والجنوبية، يؤكد أن القضية ما زالت حية ومتجذرة في وجدان شعبها. ولذلك علينا الحفاظ على هذه الحيوية والقدرة على التأثير بما يضمن تجسيد سيادة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين.

نريد دولة تكون منارة وملاذاً لكل أبنائها، تقوم على الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي، ولا مكان فيها للأوصياء أو أصحاب الامتيازات.

شعبنا يستحق ذلك، كما يستحق هذا الجيل أن يرى ثمرة التضحيات التي قدمها الفلسطينيون عبر عقود طويلة. وهذه مسؤولية تقع على عاتق جيلنا، لأننا مطالبون بتوريث الأجيال القادمة مشروعاً وطنياً قادراً على تحقيق الحرية والاستقلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.

 

ما الهدف من التغيير؟

* في ظل الأزمة المالية الخانقة، يتردد حديث عن تشكيل حكومة جديدة بعد استكمال الشرعيات والمؤسسات المنتخبة، كيف تنظرون إلى هذا الطرح؟

السؤال أولاً: ماذا ستفعل الحكومة الجديدة؟ نحن بحاجة إلى وحدة الحركة على برنامج واستراتيجية واضحة تتضمن أهدافاً وآليات لتحقيقها، ضمن منظومة تشمل النظام السياسي والحكومة ومنظمة التحرير والمؤسسات الوطنية.

هل هناك أفق سياسي جديد؟ هل هناك أفق لحل الأزمة المالية؟ أم أننا نتحدث فقط عن تغيير أشخاص بأشخاص؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا ليس مدخلاً صحيحاً للمعالجة.

نحن أمام أربعة تحديات رئيسة: التحدي التنظيمي، والوطني، والإقليمي، والدولي. والمطلوب إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني ليكون مظلة لكل الفلسطينيين، وأساساً لتقديم الخدمات وفق معايير موحدة، وشريكاً للإقليم والعالم في مواجهة الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وتوفير أسباب الصمود لشعبنا.

برأيي، هذا هو ما يجب أن نركز عليه في هذه المرحلة، لأن التاريخ لن يرحمنا.

أما الحديث عن تغيير الحكومة، فأقول: لماذا؟ وما الهدف؟ وعلى أي أساس؟ لأن أي صيغة لا ترتكز على وحدة النظام السياسي ووحدة الوطن ووحدة الأهداف الوطنية ستبقى دوراناً في حلقة مفرغة، ولن تقدم حلاً حقيقياً للأزمات التي نواجهها.

 

استراتيجية عمل مشتركة

* هناك أعضاء في اللجنة المركزية يقيمون في غزة، وآخر في الأسر، ما يعني غياب عدد من الأعضاء عن الاجتماعات. كيف ستدير الحركة مهامها في ظل هذا الواقع؟

سيكون هناك نقاش داخل الحركة لإقرار استراتيجية على المستويات التنظيمية والوطنية والإقليمية وعلى مستوى الدولة، وبمشاركة الجميع، بما في ذلك الأخ القائد مروان البرغوثي.

وعند التوافق على الاستراتيجية، سيتم توزيع المهام داخل اللجنة المركزية على قاعدة جماعية القيادة ومرجعية الإطار التنظيمي، مع منح المكلفين بالملفات هامشاً للتنفيذ والمتابعة. أما الأعضاء الذين يتعذر حضورهم، فسنبحث عن آليات تضمن مشاركتهم، بما في ذلك وسائل الاتصال الحديثة وتقنيات “الفيديو كونفرنس”.

في حركة فتح، مسؤول أي ملف هو “الأول بين متساوين”، لذلك لا أنظر إلى عدد الأصوات أو ترتيب النتائج أو إلى كون العضو جديداً أو قديماً.

فأعضاء اللجنة المركزية متساوون في المكانة التنظيمية، ومسؤول الملف يكون الأول بين متساوين ضمن المهمة المكلف بها. وهذا جزء من تقاليد الحركة ويساعد على تعزيز العمل الجماعي وترسيخ مبدأ جماعية القيادة والمسؤولية والحوار والتوافق.

أما توزيع المهام داخل اللجنة المركزية فلم يُحسم بعد، وفي الدورة السابقة استغرق الأمر عدة أشهر، لكننا وصلنا إلى نتيجة، وأعتقد أننا سنصل إلى نتيجة أيضاً هذه المرة.

 

فلسطين حاضرة عالمياً

* ما دلالات حضور فلسطين في كأس العالم من الناحية السياسية والوطنية؟

كنا نتمنى المشاركة في كأس العالم، وكانت لدينا فرصة حقيقية ضاعت بسبب ظلم تحكيمي. ومع ذلك، أنا متأكد أن فلسطين ستكون حاضرة في كندا والولايات المتحدة والمكسيك كقضية ورسالة، وستبقى حاضرة بقضيتها وشعبها وروايتها، وستظهر المكانة التي تحظى بها فلسطين لدى “الفيفا” والاتحادات الوطنية وجماهيرها حول العالم.

وعملنا خلال السنوات الماضية وفق ثلاثة مبادئ: أن الرياضة وطنية لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وليست جزءاً من أي تجاذبات فصائلية أو جهوية أو أجندات شخصية، وأن تكون إدارة الرياضة منسجمة مع الميثاق الأولمبي وأنظمة وقوانين الاتحادات القارية والدولية وفي مقدمتها “الفيفا”.

 

الرياضة منصة للرواية الفلسطينية

كما حرصنا على أن تكون الرياضة منبراً وطنياً نقدم من خلاله معاناة شعبنا وجرائم الاحتلال، وفي الوقت نفسه عظمة هذا الشعب وكبرياءه وصموده.

هذه المبادئ شكلت الأرضية المشتركة للعاملين في القطاع الرياضي الفلسطيني، وساعدتنا على مخاطبة العالم بلغة واحدة وعلم واحد وهدف واحد، وهو إنجاز وطني جماعي ساهمت في حمايته مختلف المؤسسات والقوى الفلسطينية.

 

هيمنة سياسية على القرار

* بعد سنوات من العمل داخل الفيفا، لماذا لا تُعامل إسرائيل كما عوملت روسيا رياضياً؟

هناك عوامل سياسية مؤثرة داخل الفيفا، وأعتقد أن إسرائيل أصبحت اليوم أكثر انكشافاً أمام الرأي العام العالمي. وما جرى خلال لقاء رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وما رافقه من مواقف ونقاشات، يمكن أن يشكل مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة وكيفية بناء معركتنا داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

وبرأيي، أخطأ رئيس الفيفا عندما بنى بعض مواقفه على رسائل غير واقعية صدرت عن نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، معتقداً أنها يمكن أن تؤسس لصورة مختلفة عن الواقع.

في المقابل، كان تعاطي الهيئة العامة مع القضية الفلسطينية إيجابياً إلى حد كبير، ونحن سنواصل جهودنا ومعركتنا داخل المؤسسات الرياضية الدولية، وآمل أن نرى فلسطين حاضرة في كأس العالم المقبل.

 

أولوية إنجاح المونديال

* وهل تعتقد أن المعايير السياسية أصبحت أقوى من القوانين الرياضية داخل الفيفا؟

أعتقد أن ما كان يهم جياني إنفانتينو والرئيس الأميركي دونالد ترمب في هذه المرحلة هو إنجاح كأس العالم.

لكن بعد كأس العالم ستبقى إسرائيل مكشوفة أمام العالم، والمؤسسات الرياضية الإسرائيلية مطالبة بالإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية: موقفها من جرائم الاحتلال بحق الرياضة الفلسطينية والرياضيين والمنشآت الرياضية، خاصة بعد الدمار الشامل الذي تعرضت له غزة وسقوط أكثر من 1100 لاعب ورياضي.

القضية الثانية تتعلق بمسؤولين ولاعبين شاركوا أو شجعوا سياسات التطهير العرقي والتدمير والإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، والحق في هذه القضايا لا يسقط بالتقادم.

أما القضية الثالثة فتتعلق باستمرار الأنشطة الرياضية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما يشكل خرقاً للميثاق الأولمبي ولوائح “الفيفا”. وهذه القضايا ستبقى مطروحة على جدول أعمال الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية والمنظمات الرياضية المختلفة.

نرى اليوم كيف تواجه إسرائيل رفضاً متزايداً في الساحات الرياضية، وأعتقد أن ذلك نتيجة مباشرة لسياساتها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني عموماً، وبحق الرياضة الفلسطينية على وجه الخصوص.

 

تحية لصمود الشعب

* ما الرسالة التي توجهونها لشعبنا في ظل هذه الظروف الصعبة؟

أنحني إجلالاً وإكباراً أمام الصمود الملحمي لشعبنا من رفح إلى جنين مروراً بالقدس وفي كل شبر من أرض فلسطين. فهذا الإصرار المفعم بالكبرياء والكرامة، خاصة لدى أبناء شعبنا الذين يعيشون في الخيام بعد تدمير قطاع غزة، يشكل نموذجاً غير مسبوق في الصمود. أتمنى أن تكون هذه الصورة رسالة إلى عمقنا العربي ليهب لنصرة الفلسطينيين ويوفر كل أسباب الصمود والبقاء لشعبنا، فالعامل الديمغرافي الفلسطيني يشكل النقيض الاستراتيجي لهذا الاحتلال وعدوانه المستمر على فلسطين والعرب والمسلمين ومقدساتهم.

أتمنى إنجاز وحدة وطنية فلسطينية حقيقية يكون فيها الوطن واحداً، والشعب واحداً، والقضية واحدة، والقيادة واحدة، والقرار واحداً، والهدف واحداً، والوسيلة واحدة، وأن ننبذ الضغينة ونستبدلها بالحب والاحترام لكل فلسطيني مهما اختلفنا سياسياً.

عظمة هذا الشعب تتجسد في صمود المواطن الفلسطيني وإصراره على البقاء رغم الدمار والمعاناة، سواء في غزة أو القدس أو الضفة. فالإنسان الفلسطيني هو أقدس ما نملك وأعظم ما نملك وأنبل ما نملك، وهذا يفرض علينا مسؤولية إنهاء الانقسام وإعادة صياغة علاقاتنا الداخلية على أسس جديدة.

نحن بحاجة إلى بيئة يشعر فيها الفلسطيني بالأمن والاستقرار وتوفر له الحوافز التي تعزز صموده وبقاءه على أرضه. وفي النهاية، تبقى روابط الدم والهوية والانتماء الوطني أسمى وأقوى من كل الخلافات، وشعبنا يستحق منا جميعاً أن نرتقي إلى مستوى تضحياته وصموده.