يا فلسطين…
ارفعي صوتك عالياً هذه المرة، ولا تهمسي كما اعتدتِ أن تفعلي مع أبنائك المتعبين.
قولي لهم إنك تعرفينهم واحداً واحداً تعرفين الصادق من المتاجر والمناضل من المنتفع، والوفي من الذي جعل من وجعك سلماً لمصالحه الخاصة.
قولي لهم إنك تحفظين أسماء الذين حملوا الحلم، كما تحفظين أسماء الذين أثقلوا هذا الحلم حتى كاد ينكسر.
قولي لهم إنك سئمتِ الخطب الطويلة التي لا تبني وطناً، والشعارات التي لا تحمي طفلاً، والوعود التي تتكاثر كلما ضاقت الحياة على الناس.
يا فلسطين…
أخبريهم أنك لا تخافين الاحتلال، فأنتِ التي واجهتِ الإمبراطوريات والجيوش والمؤامرات، وبقي اسمك أكبر من خرائطهم وأقوى من حدودهم وأسوارهم.
وأخبريهم أيضاً أنك لا تخافين أولئك الذين يختبئون خلف الكلمات الكبيرة بينما يبددون أعمار الشباب وأحلامهم وطاقاتهم في معارك صغيرة لا تشبه عظمة قضيتك.
قولي لهم إن روح فلسطين ليست ملكاً لأحد، وإن دماء شهدائها ليست جسراً لعبور الطامحين، وإن معاناة أهلها ليست مادة للاستثمار السياسي أو الإعلامي.
يا فلسطين…
لقد تعب شعبك كثيراً.
تعب من الانقسام حين يتحول إلى قدر.
وتعب من الأزمات حين تصبح أسلوب حكم.
وتعب من الانتظار حين يتحول إلى حياة كاملة.
وتعب من رؤية أفضل أبنائه يستهلكون في صراعات جانبية بينما يبقى الاحتلال رابضاً فوق الأرض والحقوق والمستقبل.
لكن قولي لهم أيضاً إنك ما زلتِ قادرة على النهوض.
فالشعوب العظيمة قد تتعب لكنها لا تموت.
والأوطان الكبيرة قد تنحني تحت العواصف لكنها لا تنكسر.
وفلسطين لم تكن يوماً مجرد قضية تبحث عن نجاة، بل كانت دائماً شعباً يبحث عن حياة تليق بتضحياته.
يا فلسطين…
إذا تكلمتِ اليوم، فليكن كلامك واضحاً كالشمس.
قولي إن زمن إهدار طاقات الشباب يجب أن ينتهي.
وإن زمن الحساب الوطني قد اقترب.
وإن الشعب الذي صبر أكثر من قرن، يملك من الوعي ما يكفي ليفرق بين من يخدمه ومن يستخدمه.
قولي لهم إن فلسطين لا تريد أبطالاً على الشاشات، بل رجال دولة يبنون، ومؤسسات تحمي، وقيادات تسمع نبض الناس قبل أن تسمع التصفيق.
وقولي لهم أخيراً:
إن فلسطين لا تنقلب على نفسها، ولا على تاريخها، ولا على مشروعها الوطني.
لكنها قادرة دائماً على أن تستعيد صوتها، وأن تفرز رجالها، وأن تكتب فصلها الجديد بنفسها.
وحين تتكلم فلسطين…
فليركع الجميع امام عظمتها …
بقلم شادي عياد








