حين جلس “فلسطيني” مع أبو مازن

بقلم شادي عياد

في ليلةٍ فلسطينيةٍ طويلة…

ليلةٍ تشبه أعمارنا المعلقة بين الحلم والانتظار.

تخيلت رجلاً اسمه “فلسطيني”.

لا أعرف من أي مدينة جاء.

ربما من القدس.

أو من غزة.

أو من رام الله.

أو من مخيمٍ ما زال يحتفظ بمفتاح العودة.

كان يحمل وجع الناس وأسئلتهم وغضبهم وأحلامهم.

ودخل إلى مكتب الرئيس أبو مازن.

جلس أمامه.

بلا مقدمات.

وبلا بروتوكول.

وبلا خوف.

وقال:

سيدي الرئيس…

هل تعلم أن الناس تعبت؟

هل تعلم أن الموظف ينتظر راتبه؟

وأن الشاب ينتظر فرصة؟

وأن التاجر ينتظر انفراجًا؟

وأن الوطن كله ينتظر شيئًا ما؟

نظر إليه أبو مازن بهدوء وقال:

أعرف.

وأعرف أكثر مما تظن.

وأسمع أكثر مما تتصور.

وأرى ما لا يراه كثيرون.

لكن قيادة شعبٍ تحت الاحتلال ليست نزهة.

وليست خطابًا على منصة.

وليست منشورًا على وسائل التواصل.

إنها معركة كل يوم.

وكل ساعة.

وكل دقيقة.

ابتسم “فلسطيني” وقال:

لكن البعض يقول إن الأمور لم تعد تحتمل.

وأن هناك من تمسك بالمناصب أكثر مما تمسك بالوطن.

وأن هناك من يعيش في المكاتب بينما الناس تعيش الأزمات.

فأجاب أبو مازن فورًا:

ومن قال لك إنني لا أعرف؟

أنا أعرف جيدًا من يعمل.

وأعرف من لا يعمل.

وأعرف من يحمل فلسطين في قلبه.

وأعرف من يحمل نفسه فقط.

وأعرف من يعتبر المنصب مسؤولية.

وأعرف من يعتبره غنيمة.

لكن الدولة لا تُدار بالصراخ.

ولا تُبنى بردات الفعل.

بل تُبنى بالقرار في اللحظة المناسبة.

سكت “فلسطيني” قليلًا ثم قال:

وهل ما زلت قادرًا على التغيير؟

وهنا تغيرت ملامح الرئيس.

واقترب إلى الأمام.

وقال بثقة:

اسمع يا فلسطيني…

لو كنت أبحث عن الراحة لما بقيت يومًا واحدًا في هذا الموقع.

ولو كنت أبحث عن الشعبية السهلة لفعلت ما يريده الجميع لا ما يريده الوطن.

أنا لا أعد الناس بمعجزات.

لكنني أعدهم أنني لن أسمح لأحد أن يعبث بالمشروع الوطني.

ولن أسمح لأحد أن يجعل مؤسساتنا رهينة لمصالحه.

ولن أسمح لأحد أن يختطف حلم هذا الشعب.

سأل “فلسطيني”:

وماذا عن الاحتلال؟

فضحك أبو مازن وقال:

الاحتلال يظن أنه يعرفنا.

لكنه لا يعرف هذا الشعب.

سبعون عامًا وهم يحاولون كسرنا.

فماذا كانت النتيجة؟

ما زال اسم فلسطين يزداد حضورًا.

وما زال شعب فلسطين واقفًا.

وما زالت الراية الفلسطينية أعلى من كل مخططاتهم.

ثم أضاف:

الاحتلال ليس قويًا لأنه لا يُهزم.

بل لأنه يراهن دائمًا على أخطائنا.

وحين نصحح أخطاءنا…

سنفاجئه جميعًا.

رفع “فلسطيني” رأسه وسأل:

وماذا تقول لأولئك الذين التصقوا بالمواقع والكراسي؟

فابتسم الرئيس ابتسامةً فهم منها “فلسطيني” أكثر مما سمع.

وقال:

أقول لهم شيئًا واحدًا…

لا أحد أكبر من فلسطين.

ولا أحد أبقى من فلسطين.

ولا أحد يملك حقًا أبديًا في أي موقع.

التاريخ يتحرك.

والشعوب تتحرك.

والدول تتحرك.

ومن لا يتحرك معها يبقى خلفها.

ثم وقف أبو مازن من مكانه.

واتجه نحو النافذة.

ونظر إلى القدس البعيدة.

وقال:

اكتب يا فلسطيني…

واكتب جيدًا.

قل لهم إن فلسطين ليست بخير ما دام فيها جائع أو مظلوم أو مهمش.

وقل لهم إن المسؤولية ليست لقبًا بل تضحية.

وقل لهم إن زمن المجاملات لا يبني أوطانًا.

وقل لهم إن القادم يجب أن يكون أفضل من الماضي.

ثم التفت نحوه وقال بصوتٍ حاسم:

وقل لهم أيضًا…

إن البعض يعتقد أنني وصلت إلى آخر الطريق.

بينما الحقيقة أنني ما زلت أحمل من الإرادة ما يكفي لأحمي هذا المشروع الوطني.

وما يكفي لأعيد ترتيب البيت الفلسطيني.

وما يكفي لأقلب الطاولة على كل من ظن أن فلسطين أصبحت ملكًا لمصالحه أو طموحاته الشخصية.

فلسطين أكبر منا جميعًا…

وهي وحدها التي ستبقى.

خرج “فلسطيني” من اللقاء.

ولم يحمل معه وعدًا.

بل حمل يقينًا.

أن الأوطان لا تموت ما دام فيها رجال يؤمنون أنها تستحق القتال من أجلها…
وأن فلسطين، رغم كل شيء، مازلت تكتب فصلها القادم بيد أبنائها .

بقلم شادي عياد