الأزمة الراهنة وأثرها على المشروع الوطني الفلسطيني، والحلول المقترحة

"بقلم  لؤي شحادة"

يمر المشروع الوطني الفلسطيني بمرحلة دقيقة ومعقدة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها الساحة الفلسطينية والمنطقة بشكل عام. فقد أدت التطورات المتسارعة خلال السنوات الأخيرة إلى خلق واقع جديد يفرض على الجميع مراجعة الأولويات الوطنية وتعزيز عوامل الصمود والوحدة لمواجهة المخاطر التي تهدد الحقوق الوطنية الفلسطينية.

تتمثل أبرز آثار الأزمة الراهنة في تراجع فرص تحقيق تقدم سياسي حقيقي نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وما يرافقها من ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع مستويات التنمية. كما أن استمرار الانقسام السياسي يضعف الموقف الفلسطيني ويؤثر على قدرة المؤسسات الوطنية على العمل بكفاءة وفاعلية.

وقد انعكست هذه التحديات على المشروع الوطني الفلسطيني من خلال إضعاف الجبهة الداخلية، وتراجع ثقة المواطنين بالمستقبل، وازدياد الضغوط على المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية كبيرة في الحفاظ على استمرارية الخدمات وتعزيز صمود المواطنين.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الحلول المقترحة التي يمكن أن تسهم في تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني، وفي مقدمتها تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لتوحيد الجهود والطاقات الفلسطينية. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتطوير أدائها، وتمكين الشباب والمرأة من المشاركة الفاعلة في صنع القرار وبناء المستقبل.

إن المشروع الوطني الفلسطيني يمتلك من المقومات التاريخية والشعبية ما يؤهله لتجاوز الأزمات، شريطة توافر الإرادة السياسية والعمل الجماعي والمسؤولية الوطنية. فالتحديات مهما كانت كبيرة لا يمكن أن تكون أقوى من وحدة الشعب الفلسطيني وإصراره على تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة في الحرية والاستقلال وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

إن مواصلة عدوان الاحتلال الاسرائيلي على الأراضي الفلسطينية والحصار الاقتصادي منذ سنوات، أثر على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة والتي تعصف بالشعب الفلسطيني وقضيته وصلت لأول مرة إلى درجة عالية من الخطورة، والتي تتمحور في الآتي:

أولاً: الصعيد السياسي

تحول هوية المشروع السياسي الفلسطيني إلى أزمة إنسانية وانعكاسات ذلك على القضية السياسية للشعب الفلسطيني، مما أدى إلى افتقار مواصلة الصمود مما يتوجب تقديم خطة دبلوماسية سياسية واضحة ومحددة قادرة على التجاوب مع السياسة والحصار الاحتلالي الاسرائيلي.

ومن هنا يتوجب على القيادة الفلسطينية الابتعاد عن العزلة السياسية الكاملة على الساحات العربية والدولية والإقليمية، والعمل بقوة وفعالية على مواصلة الاستقطاب الخارجي، خصوصاً بعد نجاح سياسة الاستقطاب العربي والدولي للقضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر، 2023، والاستبعاد من أي استقطابات واجندات ومحاور سياسية أو عسكرية خارجية، وتجنيد كل الدعم العربي والدولي لها لخدمة الأجندة الوطنية للقضية الفلسطينية.

ثانياً: الصعيد الاقتصادي

نتيجة سياسة الاحتلال الاسرائيلي واعتداءاته وإجراءاته من تشوهات اقتصادية وتقليص سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على الأرض والموارد الطبيعية مقابل تسمين المستعمرات وشق الطرق الاستيطانية…. إلى جانب تدمير ألبنى التحتية الفلسطينية وفصل نمو الدخل عن نمو الإنتاج المحلي، وفصل الأسعار عن العرض والطلب، وتركز التجارة الخارجية مع إسرائيل وغيرها من الاختلالات الهيكلية، وكذلك ضرورة العمل  والضغط دوليا عن الأفراج عن أموال المقاصة التي تحتجزها اسرائيل منذ سنوات.

ثالثاً: مقومات الانعتاق من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي

ضرورة تبني سياسة الاقتصاد المقاوم وضرورة وجود جدية لدعم هذه السياسة وحشد الطاقات الداعمة من أجل تعزيز صمود كافة شرائح المجتمع وكذلك تعزيز صمود أصحاب المنشآت الاقتصادية والقطاع الخاص.

أن الأزمة الاقتصادية لم يشهد التاريخ مثيلا لها، وقد طالت سلبياتها كل منجزات شعبنا على مر العقود وأن الرهان يقع على حنكة القيادة الفلسطينية وسياستها الدبلوماسية الفاعلة والمؤثرة، وبقدرتها مع كافة الفصائل الفلسطينية وابناء الشعب الفلسطيني على أحداث فعل متوازن مما سيحافظ على القضية الفلسطينية بمحتواها الوطني وليس الإنساني المحض من خلال برنامج وطني واحد وموحد.

إن الأزمات، مهما بلغت حدتها وتعقيداتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر لليأس أو الإحباط، بل إلى حافز لمراجعة الذات وتعزيز الوحدة الوطنية وترتيب الأولويات. فالمشروع الوطني الفلسطيني أكبر من الخلافات الآنية والتحديات المرحلية، وهو مشروع يستمد قوته من عدالة القضية الفلسطينية وصمود شعبها وتمسكه بحقوقه الوطنية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع تغليب المصلحة الوطنية العليا، وتعزيز الشراكة والحوار والمسؤولية المشتركة، والعمل على حماية المؤسسات الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية. فبقدر ما تكون الإرادة الوطنية موحدة، يكون الشعب الفلسطيني أكثر قدرة على مواجهة التحديات والدفاع عن حقوقه وتحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال والكرامة.

وفي ظل الظروف الراهنة، تبقى الوحدة الوطنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات والعمل المشترك على أساس المصلحة الوطنية العليا هي الركائز الأساسية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني وضمان استمراره وقدرته على مواجهة التحديات وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطي

ويبقى الأمل قائماً بأن يتمكن الفلسطينيون، بوحدتهم وإصرارهم، من تجاوز هذه المرحلة الصعبة، والحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني باعتباره الإطار الجامع لنضالاتهم وطموحاتهم ومستقبل أجيالهم القادمة.