أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية
منذ توليه قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، تبنى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) رؤية سياسية مختلفة عن تلك التي سادت خلال مراحل سابقة من النضال الفلسطيني. فقد آمن بأن الكفاح المسلح، في ظل التحولات الدولية والإقليمية، لم يعد الوسيلة القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، وأن الانتقال إلى ساحة السياسة والدبلوماسية والقانون الدولي هو الطريق الأكثر واقعية للوصول إلى الدولة الفلسطينية المستقلة.
لقد جاءت هذه الفلسفة السياسية نتيجة قراءة عميقة للتجربة الفلسطينية المعاصرة، وخاصة بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 وما ترتب عليها من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية كبيرة. فقد رأى أبو مازن أن استمرار المواجهة المسلحة في ظل اختلال موازين القوى يؤدي إلى دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة دون تحقيق إنجازات سياسية موازية، وأن الواجب الوطني يقتضي البحث عن وسائل أخرى لحماية الإنسان الفلسطيني والحفاظ على ما تبقى من مقومات الصمود الوطني.
ومن هنا أعلن التزامه بخيار السلام، ليس باعتباره استسلاماً أو تخلياً عن الحقوق الوطنية، بل باعتباره استراتيجية نضالية جديدة تقوم على التفاوض والعمل الدبلوماسي وكسب الشرعية الدولية. وقد قدم في سبيل ذلك تنازلات سياسية مؤلمة، واعترف بإسرائيل، وتمسك بحل الدولتين، وقبل بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا جنى الفلسطينيون من هذا الخيار؟
لقد راهن أبو مازن على وجود شريك إسرائيلي يؤمن بالسلام، إلا أن الوقائع أثبتت أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكن معنية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل واصلت توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهويد القدس وإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية. وبدا وكأن الفلسطينيين وحدهم هم الذين التزموا بشروط العملية السياسية، بينما استمرت إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض بقوة الاحتلال.
لقد دفع أبو مازن أثماناً سياسية كبيرة نتيجة تمسكه بخيار السلام. فتعرض لانتقادات داخلية واسعة من قوى فلسطينية رأت أن إسرائيل تستغل هذا الخيار لتكريس احتلالها، وأن التفاوض تحول إلى عملية مفتوحة بلا نتائج حقيقية. ومع ذلك بقي متمسكاً بقناعته بأن الدم الفلسطيني يجب أن يُصان، وأن النضال السياسي أقل كلفة من الحروب والمواجهات العسكرية المفتوحة.
لكن التجربة السياسية الممتدة لأكثر من عقدين تطرح إشكالية فلسفية وسياسية عميقة: هل يمكن للسلام أن يتحقق إذا كان أحد طرفيه يؤمن بالحل السياسي بينما الطرف الآخر يؤمن بإدارة الصراع وفرض الوقائع بالقوة؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن في رفض الفلسطينيين للسلام، بل في طبيعة المشروع الصهيوني ذاته الذي ما زال ينظر إلى الأرض الفلسطينية باعتبارها مجالاً حيوياً للتوسع والسيطرة، ويرفض الاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن أزمة العملية السياسية ليست أزمة فلسطينية بقدر ما هي أزمة إسرائيلية ناتجة عن غياب الإرادة الحقيقية لإنهاء الاحتلال.
لقد اختار أبو مازن طريق السلام لأنه اعتقد أن العالم المعاصر لم يعد يحتمل الحروب الطويلة، وأن الشرعية الدولية يمكن أن تشكل سنداً للشعب الفلسطيني في نضاله الوطني. غير أن استمرار التعنت الإسرائيلي يضع هذا الخيار أمام اختبار تاريخي صعب، ويجعل الفلسطينيين يتساءلون عن حدود فاعلية السياسة عندما تغيب العدالة، وعن إمكانية تحقيق السلام في ظل استمرار الاحتلال.
ختاماً، يبقى أبو مازن نموذجاً لقائد راهن على قوة السياسة بدل سياسة القوة، وعلى قوة الحق بدل حق القوة. لكن المأساة الفلسطينية المعاصرة تكشف أن السلام لا يصنعه طرف واحد، وأن الاعتراف المتبادل بالحقوق هو الشرط الأساسي لأي تسوية تاريخية. فبدون إنهاء الاحتلال والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، سيبقى السلام حلماً مؤجلاً، وستبقى القضية الفلسطينية شاهداً على صراع مفتوح بين إرادة الحرية ومنطق الهيمنة.








