قبلوا به رئيسا.. لا ليحكم، وانما ليحكموا به..!!

د. عبدالوهاب الروحاني

نعم، “اذكروا محاسن موتاكم”، ونحن -كما يعلم الله- على اشد الحرص ان لا نذكرهم الا بمحاسنهم، خاصة من خبرناهم ووقفنا على افعالهم لسببين:
الاول: ان التذكير بالحسنات قد يذهبن السيئات.
الثاني: انهم قد افضوا الى ما افضوا اليه احسنوا أو اساءوا.

لكن عندما يتعلق الامر بشخصيات عامة امسكت بخناق الدولة والمجتمع لسنوات هزيلات قاحلات عجاف فالامر يختلف، لأنهم تسببوا عن عمد في ضرر كبير وانهيارات متلاحقة أصابت الدولة والمجتمع بمقتل، وهو ما حدث مع الرئيس الذي تسلم أمر البلاد في لحظة زمن غادرة كان عامة اليمنيين يبحثون فيها عن مخرج؛ فوضعوا الامل في عبدربه منصور هادي نائب الرئيس، الذي درج الناس على تسميته ب “عبدربه مركوز هادي” لضعفه وقلة حيلته.

احزاب “اللقاء المشترك” (اصلاح، واشتراكي، وناصري، وحق) لم يروا في هادي مخرجا من الازمة، وانما وجدوا فيه “الفارعي الضعيف” وكان مدخلهم الوحيد للتخلص من الرئيس صالح، الذي اصر على ان يسلمه السلطة بكونة “اليد الامينة”.

فلفسة “الفارعي الضعيف”، التي تبنتها احزاب المشترك وقبلت بنائب الرئيس ليكون رئيسا – كما اشترط صالح – جعلتهم يتفقون عليه لا ليحكم وانما ليحكموا به.. واتضح ذلك في التنافر الكبير الذي حل بين حكومة باسندوة والرئيس هادي خلال فترة تسلمهم السلطة بنتيجة بعد 2011.

انا واحد ممن حشد بحماس للاقتراع لهادي ليصبح رئيسا بشرعية انتخابية غير تنافسية “يستند اليها” كما كان شرطه، وكان له ذلك من غالبية اليمنيين؛ لكن العثرة كانت في اثنتين:
الاولى: في عقلية القرية ونزعة الانتقام، التي تملكت الرجل.
والثانية: في ان “احزاب المشترك” والاصلاح بصورة خاصة اتخذوه جسر عبور للوصول الى السلطة.

ففي الوقت الذي كان يجب ان يفكر فيه الرئيس كيف ينقذ البلاد والدولة من الانهيار انصرف للتامر على من راهن على وفائه أو على ضعفه، بينما شركاؤه من قادة المشترك برئاسة “الاصلاح” انصرفوا لتوزيع الحصص وتقاسم السلطة.

سيطرت على الرئيس هادي الهواجس الامنية والمناطقية والجهوية وغرق فيها – وقد أصبح رئيسا – فنمت عنده رغبة الانتقام، وانقض على كل شيء يمت بصلة للوطن الكبير .. قادة، ومعسكرات، واحزاب، ومناطق وافراد، واعتبر الرئيس صالح الذي سلمه “الامانة” والعَلَم عدوا رئيسيا، كما اعتر قادة “حزب الاصلاح” منافسين حقيقيين يجب تجاوزهم.. فصار يضرب عشواء، ويصارع طواحين الهواء، وراى في الحوثيين مدخله للانتقام من الجميع؛ فوقعوا جميعا في الفخاخ التي نصبوها لبعضهم، وكان اليمن هو الخاسر الاكبر.

كان الرئيس هادي قد حظي بشرعية شعبية ودعم اقليمي ودولي لم يسبقه اليه أحد غيره، لكنه (رحمه الله) فوت فرصة ذهبية لأن يكون هو الحل، وان يكون هو الرئيس المنقذ، فادخل البلاد في رهانات خاسرة، فانشغل ب:
– اثارة وتغذية الصراعات والعصبيات الجهوية والمنطقية.
– تفكيك البنية المؤسسية للدولة باعتبارها من موروثات نظام صالح
– الاعتماد على الدعم الخارجي وبالذات السعودي، والاممي

وهكذا وقع هادي في فخ الرهانات الخاسرة، ساعده في ذلك غيات الطاقم الاستشاري الوطني حوله، فكانت النتيجة هي:
* ان هادي مزق الجيش بالهيكلة
* ادخل البلاد تحت البند السابع
* حكم من الخارج 10 أعوام
* سلم البلاد للكفيل وللمليشيات ومزق الوطن بالفدرلة وما سماه “اليمن الاتحادي” الذي لم يعمل به.
* مارس التوريث والمناطقية في المناصب والتعيينات من اول يوم له في الرئاسة، وارساها سنة لمن خلفه..

اقول هذا، ومعرفتي بهادي ليست قصيرة، هي تعود لمطلع التسعينات حينما تم تصعيده مع مجموعة من رفاقه المنشقين عن الاشتراكي الى عضوية اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام، الذي شغلوا فيه مواقع تنظيمية وسياسية مفصيلة وهامة.

عرفت هادي وهو وزيرا للدفاع، وجلست معه وحاورته في قاعدة العند العسكرية اثناء حرب الانفصال، تماما كما فعلت مع علي محسن (نائبه) الذي كان يساعده في ادارة العمليات العسكرية.. عرفته نائبا لرئيس الجمهورية، ورافقته الى عدن وحضرموت في اكثر من مناسبة، تميز بادارته “الذكية” للجنة العليا للاحتفالات الوطنية، التي شاركت فيها كوزير للثقافة لمناسبتين..

عرفته في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام لاكثر من عشر سنوات، وعرفته رئيسا.. كان طيبا ودودا، لكنه كثير الشك وسوء الظن، يكشك في كل شيء حتى في المناصب التي تقلدها، لم يكن يثق ان الناس يثقون به فيها، فيه قسوة البدوي الذي لا ينسى ولا يسامح ولا يتجاوز ..
رحمه الله واسكنه الجنة.