ما قبل الزمان وما بعد العقل دراسة فلسفية في جدلية الوجود والعدم وحدود العقل الإنساني

بقلم: د. صالح الشقباوي

أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية

يُعد سؤال الوجود من أقدم الأسئلة التي طرحتها الإنسانية على نفسها، وهو السؤال الذي لم يتوقف العقل عن ملاحقته منذ أن وعى الإنسان ذاته ووجوده في هذا الكون. فقبل أن يسأل الإنسان عن السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، سأل: من أين جئت؟ وكيف وجد العالم؟ وماذا كان قبل وجوده؟
وهنا يبرز السؤال الفلسفي العميق: ماذا كان قبل أن يُخلق الزمان؟ وهل يمكن الحديث عن “قبل” في غياب الزمن؟
إن هذا السؤال يحمل في داخله مفارقة منطقية؛ لأن مفهوم “القبل” نفسه ينتمي إلى الزمن. فإذا كان الزمن قد بدأ مع بداية الكون، فإن الحديث عن “ما قبل الزمن” يصبح إشكالياً، لأننا نستعمل مفهوماً زمنياً للبحث في حالة لا زمنية.
لقد أدرك الفلاسفة منذ وقت مبكر أن الزمان ليس شيئاً مستقلاً عن العالم، بل هو أحد شروط وجوده. فالكون والزمان يشكلان وحدة مترابطة؛ وإذا كان الكون حادثاً فإن الزمان حادث معه. ولذلك لا يمكن الحديث عن زمن يسبق الزمن، كما لا يمكن الحديث عن مكان خارج المكان.
ومن هنا انتقل الفكر الإنساني إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: إذا كان الكون قد وُجد، فمن أين جاء؟
هل أوجده الخالق من ذاته أم من العدم؟
لقد انقسمت الإجابات الفلسفية إلى اتجاهات متعددة. فالتصور الديني التقليدي يرى أن الخالق أوجد العالم من العدم، بمعنى أن العالم لم يكن موجوداً ثم أصبح موجوداً بفعل الإرادة الإلهية. أما بعض الفلاسفة فقد رأوا أن العالم صدر عن المبدأ الأول كما يصدر الضوء عن الشمس، فيما ذهب آخرون إلى أزلية المادة والعالم.
لكن الإشكالية الكبرى تظهر عندما نسأل: هل يمكن للعدم أن ينتج وجوداً؟
فالعدم ليس شيئاً حتى يكون مصدراً لشيء. إنه نفي الوجود لا أكثر. ومن هنا حاول الفكر الميتافيزيقي أن يفسر الخلق بوصفه فعلاً إلهياً لا يشبه الأفعال الإنسانية، لأن الإنسان يحتاج إلى مادة سابقة يصنع منها الأشياء، أما الخالق فلا يحتاج إلى مادة تسبقه.
غير أن السؤال الأشد عمقاً لا يتعلق بالخلق وحده، بل يتعلق بالعقل الذي يحاول فهم الخلق.
كيف يمكن لعقل ولد داخل الزمان أن يتصور وجوداً لا زمان فيه؟
إن العقل الإنساني نشأ في عالم تحكمه ثلاثة أطر أساسية: الزمان، والمكان، والسببية. ولذلك فإن كل عمليات التفكير التي يمارسها الإنسان تتم داخل هذه الأطر. فنحن نفكر دائماً من خلال الماضي والحاضر والمستقبل، ومن خلال هنا وهناك، ومن خلال السبب والنتيجة.
وعندما نحاول التفكير في وجود لا يخضع للزمان نجد أنفسنا عاجزين عن تخيله؛ لأن أدوات التفكير ذاتها مشروطة بالزمن.
فنحن لا نستطيع أن نتصور وجوداً لا يمر فيه الوقت، ولا توجد فيه لحظة تعقب لحظة أخرى. فكل صورة ذهنية نرسمها تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزمن.
لكن عدم القدرة على التصور لا يعني استحالة الوجود.
فالإنسان لا يستطيع أن يتخيل بصورة حسية كثيراً من الحقائق العلمية المعقدة، ومع ذلك يقر بإمكانها العقلي. وهنا يميز الفلاسفة بين التصور والتعقل.
فالتصور هو تكوين صورة ذهنية للشيء، أما التعقل فهو إدراك إمكان الشيء أو ضرورته دون القدرة على تخيله بصورة كاملة.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن العقل قد يعجز عن تصور الوجود اللازماني، لكنه لا يعجز عن التفكير فيه بوصفه احتمالاً ميتافيزيقياً أو ضرورة فلسفية.
إن الله في التصور الديني لا يعيش داخل الزمن كما يعيش الإنسان، ولا ينتقل من ماضٍ إلى حاضر إلى مستقبل، بل إن الزمن نفسه أحد مخلوقاته. ولذلك فإن الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة للإنسان ليست بالنسبة للخالق إلا تجليات مختلفة لحقيقة واحدة تحضر أمامه دفعة واحدة.
وهنا نصل إلى النتيجة الفلسفية الكبرى:
إن السؤال عن الوجود قبل الزمان ليس سؤالاً عن الماضي، بل هو سؤال عن حدود العقل الإنساني ذاته. فالعقل الذي ولد داخل الزمن يحاول أن يتجاوز شروط وجوده ليصل إلى ما وراء الزمن، لكنه يكتشف في النهاية أن الوجود أوسع من أدواته، وأن الحقيقة قد تكون أكبر من القدرة البشرية على الإحاطة بها.
ولعل أعظم ما تكشفه هذه الأسئلة ليس حقيقة الخالق وحده، بل حقيقة الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن المحدود الذي يحمل في داخله رغبة لا نهائية لمعرفة ما وراء العالم، وما وراء الزمن، وما وراء الوجود ذاته.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل عجز العقل عن تصور الوجود اللازماني دليل على استحالته، أم أنه دليل على أن الوجود أكبر من العقل؟
ذلك هو السؤال الذي سيظل يرافق الإنسان ما دام يفكر، وما دام يبحث عن المعنى في هذا الكون اللامتناهي.