تحذير من زج دمشق في ملف حزب الله

السياسي – وضعت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول دور سوريا في التعامل مع ميليشيا “حزب الله” ملف لبنان على خط إقليمي جديد، يضع دمشق في واجهة الضغط على الحزب، ويخفف حضور إسرائيل في المعالجة العسكرية بما يسمح لواشنطن حماية قناة التفاوض مع إيران من الانفجار.

وبحسب مصادر بدأت بيروت اتصالات محدودة مع أطراف عربية معنية بالملف اللبناني لتثبيت موقف يرفض أي ترتيبات تمنح دمشق صفة أمنية داخل الساحة اللبنانية، مع إبقاء قنوات التواصل الرسمية مع سوريا مفتوحة في الملفات الحدودية والاقتصادية.

غير أن المصادر السياسية اللبنانية تؤكد أن هذا الحساب يواجه موقفًا عربيًا غير معلن وصل إلى بيروت خلال الساعات الماضية، ويقوم على رفض إدخال سوريا في وظيفة أمنية تتصل مباشرة بالداخل اللبناني، لأن ذلك سيحوّل ملف “حزب الله” من نزاع لبناني إسرائيلي إلى ساحة اختبار جديدة بين النفوذ التركي في دمشق والحسابات الإسرائيلية في الشمال.

وتفيد معلومات المصادر اللبنانية بأن الموقف العربي غير المعلن ينطلق من تقدير يربط أي ضغط سوري على ميليشيا “حزب الله” بحساسية إسرائيل تجاه النفوذ التركي في سوريا، خصوصًا مع استمرار التوتر بين أنقرة وتل أبيب، ما قد يدفع إسرائيل إلى توسيع مقاربتها الأمنية من جنوب لبنان إلى المجال السوري.

فيما يستند الموقف اللبناني إلى سقف يمنع حماية “حزب الله” من الضغوط الإقليمية ويرفض عودة المسار السوري إلى الداخل اللبناني تحت عنوان ضبط الحزب، لذلك يعمل المسؤولون اللبنانيون على حصر الاتصالات في مطالب واضحة تتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتثبيت الانسحاب، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة التفاوض من دون تحويل دمشق إلى شريك أمني في الملف اللبناني.

وترى واشنطن في إبعاد إسرائيل عن واجهة المعالجة وسيلة لحماية التفاوض مع إيران وخفض كلفة الضربات داخل لبنان، إلا أن حضور دمشق في هذا المسار يصطدم باعتراض لبناني على أي وظيفة سورية داخلية، وحساسية إسرائيلية متزايدة تجاه النفوذ التركي في سوريا، واحتمال امتداد الضغط الأمني من جنوب لبنان إلى المجال السوري.

وأعلن ترامب، على هامش قمة مجموعة السبع في كندا، أنه تحدث مع نتنياهو بشأن لبنان واقترح ترك سوريا تتعامل مع “حزب الله”، فيما كشفت مصادر سياسية لبنانية أن بيروت تلقت خلال الساعات الأخيرة إشارات غير مباشرة حول طرح أمريكي أولي يختبر نقل جزء من الضغط على الحزب إلى المجال السوري، مع إبقاء الدور الإسرائيلي ضمن سقف لا يعطل قناة التفاوض مع إيران ولا يدفع لبنان إلى مواجهة سياسية مع دمشق.

وبعدما وصلت إلى مسؤولين لبنانيين معطيات تفيد بأن الفكرة الأمريكية لا تمنح دمشق دورًا لبنانيًا مباشرًا، وإنما تستخدم الحدود السورية والضغط السياسي على خطوط حركة  “حزب الله” كمساحة بديلة عن توسيع التدخل الإسرائيلي داخل لبنان، عمل لبنان على منع تحويل تصريح ترامب إلى مسار تنفيذي سريع من دون فتح أزمة سياسية مع دمشق في توقيت تنشط فيه واشنطن على أكثر من خط إقليمي.

ووفق المصادر، فإن الموقف اللبناني الرسمي يتعامل مع الطرح بحذر شديد، لأن أي صيغة تمنح دمشق وظيفة أمنية مرتبطة بحزب الله داخل المعادلة اللبنانية ستعيد فتح ملف الوصاية من باب مختلف.

في وقت لا تريد فيه بيروت قطع مسار العلاقات الهادئة مع دمشق أو الدخول في سجال علني معها بعد تصريحات الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الذي نفى خلال لقائه وفدًا من وجهاء ريف دمشق وجود نية سورية للتدخل في لبنان، وأعلن تأجيل البحث التفصيلي في ملف ترسيم الحدود لمصلحة ملفات الاستقرار والربط الاقتصادي، وهو ما جعل بيروت أكثر تمسكًا بإبقاء العلاقة مع دمشق داخل قنوات رسمية محدودة لا تتحول إلى وظيفة أمنية في ملف “حزب الله”.

وتزامنت تصريحات ترامب مع تصاعد الحرص الأمريكي على حماية التفاهم مع إيران من ارتدادات الجبهة اللبنانية، بعدما ربط الرئيس الأمريكي استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان بصعوبة إنجاز الاتفاق مع طهران، في وقت تتمسك إسرائيل ببقاء قواتها وحريتها عسكريًا في الجنوب إلى حين تحييد خطر ميليشيا “حزب الله”.

ويفيد مصدر أمريكي قريب من دوائر المتابعة الدبلوماسية للملف اللبناني بأن إدارة ترامب تبحث في المسار السوري كقناة لخفض الاحتكاك المباشر بين إسرائيل وحزب الله خلال التفاوض مع إيران، عبر ترتيبات محدودة تتصل بالمعابر وخطوط الحركة والضغط السياسي على بيئة الحزب، من دون تفويض دمشق بدور عسكري داخل لبنان، موضحًا أن الدعم السياسي والدبلوماسي الذي قدمته واشنطن لسوريا خلال الأشهر الماضية فتح هامشًا لاختبار تعاون حدودي مضبوط عبر دمشق.

وتشير معلومات المصدر الأمريكي إلى أن واشنطن لا تريد نقل لبنان إلى جدول التفاوض مع طهران كملف إيراني كامل، لأن ربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بمسار تقوده إيران سيضعف موقع الحكومة اللبنانية في ترتيبات الجنوب، ويمنح “حزب الله” هامشًا إضافيًا داخل التوازن الداخلي، فيما تركز الاتصالات الأمريكية على ضبط حضور طهران في الملف اللبناني، والحد من توسع الضربات الإسرائيلية، وإبقاء الحكومة والجيش داخل أي ترتيبات مقبلة.