أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية
في التجارب الوطنية الكبرى، يبرز بعض القادة الذين لا يكتفون بصناعة الحدث السياسي أو المشاركة في الفعل النضالي، بل يسعون إلى بناء ذواتهم معرفياً وعلمياً، إدراكاً منهم أن القيادة ليست مجرد قرار، وأن النضال ليس مجرد ممارسة يومية، بل هو وعي وفكر ورؤية واستشراف للمستقبل. ومن بين هذه النماذج يبرز القائد الفلسطيني مروان البرغوثي بوصفه مثالاً للقائد الذي أدرك مبكراً أن العلم والمعرفة يشكلان ركيزة أساسية من ركائز التحرر الوطني.
لقد استغرب كثيرون عندما أصر مروان البرغوثي على مواصلة دراسته الجامعية وتحصيله الأكاديمي، وهو الذي كان يمتلك حضوراً تنظيمياً وسياسياً ومكانة قيادية متقدمة. وتعرض آنذاك لكثير من التعليقات الساخرة التي رأت أن العمل السياسي والنضالي أهم من الدراسة، وأن من بلغ موقع القيادة لا يحتاج إلى مقاعد الجامعات. لكن البرغوثي كان يرى المشهد من زاوية مختلفة تماماً؛ فقد آمن بأن المنصب لا يغني عن المعرفة، وأن التجربة السياسية مهما بلغت من العمق تحتاج إلى سند علمي وأكاديمي يطورها ويمنحها القدرة على الفهم والتحليل والتخطيط.
لقد كان إصراره على متابعة تعليمه رسالة عميقة إلى الأجيال الفلسطينية كافة، وإلى الكوادر السياسية والتنظيمية على وجه الخصوص، مفادها أن القائد الحقيقي هو الذي يواصل التعلم طوال حياته، وأن العلم لا يتوقف عند حدود العمر أو المنصب أو الشهرة أو التاريخ النضالي. فالمعرفة ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية.
إن تجربة مروان البرغوثي تؤكد أن النضال وحده، مهما كان عظيماً، يحتاج إلى عقل علمي ينظمه ويطوره ويجعله أكثر قدرة على تحقيق أهدافه. فالتاريخ النضالي يمنح الشرعية والرمزية، لكن العلم يمنح الرؤية والبصيرة والقدرة على صناعة المستقبل. ومن هنا تبدو دعوته الضمنية والمباشرة إلى أبناء الحركة الوطنية الفلسطينية وإلى كوادرها المختلفة بأن يسعوا إلى تطوير أنفسهم أكاديمياً، وأن يحولوا تجاربهم النضالية إلى معرفة علمية وخبرات مؤسسية قابلة للتراكم والبناء.
فالقيادات الحديثة لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، وإنما بما تمتلكه من أدوات لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. والعلم هو الأداة الأكثر قدرة على إنتاج القرار الرشيد، وتجاوز الارتجال، والانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي. لذلك فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل القضية الوطنية وفي بناء مؤسسات أكثر كفاءة ووعياً.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الأمم التي احترمت العلم استطاعت أن تتقدم، وأن المجتمعات التي جعلت من المعرفة أساساً لصناعة القرار كانت أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وفي هذا السياق، يمكن قراءة تجربة مروان البرغوثي باعتبارها نموذجاً للقائد الذي جمع بين شرعية النضال وشرعية المعرفة، بين التجربة الميدانية والتكوين الأكاديمي، بين الإرادة الوطنية والعقل العلمي.
إن الرسالة التي يقدمها البرغوثي للأجيال الشابة واضحة: لا تعارض بين النضال والعلم، بل إن النضال بعلم أجمل وأفضل وأقدر على تحقيق أهدافه من النضال دون علم. فالعلم يسبق التاريخ النضالي في تشكيل الوعي، ويمنح التجربة معناها وفاعليتها واستمراريتها. أما النضال الذي لا يستند إلى معرفة فقد يتحول إلى فعل عفوي يفتقد إلى القدرة على التراكم والبناء.
ختاماً، أتوجه بصفتي د. صالح الشقباوي، الحائز على درجتي دكتوراه من جامعة الجزائر، الأولى في الفلسفة والثانية في العلوم الاجتماعية، بالشكر والتقدير إلى أخي القائد مروان البرغوثي على هذه الرسالة الحضارية العميقة التي تعيد الاعتبار إلى دور العقل والعلم والمعرفة في بناء الإنسان الفلسطيني. إنها دعوة إلى الصفاء الذهني، وإلى الرؤية الواضحة، وإلى الإيمان بأن النهضة الوطنية تبدأ من نهضة العقل.
ولعلنا نستحضر هنا المعنى الفلسفي العميق الذي عبر عنه عدد من فلاسفة التنوير الأوروبي حين ربطوا ارتقاء الإنسان بالمعرفة، فبالعلم يرتفع الإنسان من حدود الواقع الضيق إلى آفاق أوسع من الفهم والإبداع والحرية. وهكذا يصبح العلم طريقاً للتحرر، وتصبح المعرفة شكلاً من أشكال المقاومة، ويغدو العقل المستنير أساساً لبناء المستقبل الوطني الذي يستحقه شعبنا الفلسطيني.








